الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (22)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (22)

اثارة الحمية في نفوس المستمعين:على الخطيب أن يثير حمية المستمعين ويهز مشاعرهم هزاً، وذلك عند حديثه على النقائص الشائعة في أوساطهم، وكأنه ينبههم إلى أن كل نقيصة ما هي الاكسب عظيم لاعداء الاسلام، لأن ذلك مندرج تحت قوله تعالى:(إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) )آل عمران ـ 120)، وأي سيئة أعظم من تخلخل ارتباط المسلمين بدينهم إنها ـ ولاشك ـ من أعظم من المصائب التي يفرح بها اعداؤهم، وما رأيكم الآن في أناس يعملون اعمالا تدخل السرور على اعدائهم؟ إنهم اناس ينهزمون دون قتال وأي قيمة لأناس ينسلخون من مقوماتهم شيئاً فشيئاً؟ لا شك أن امثال هؤلاء إذا طال بهم النوم استغرقوا في سبات الغفلة فباتوا لا يصغون إلى نداء من يسعى إلى ايقاظهم:(ومن أظلم ممن ذكر بايات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) (السجدة ـ 22).
وهكذا فإنه يستطيع أن يؤثر في مستمعيه بإثارة حميتهم وتحفيزهم للوصول إلى الكمال المنشود، والغاية المرغوبة، وهذا التأثير يأتي بكثرة الدراسة والعلم والقراءة والمتابعة، ودراسة أحوال الناس ومستجداتهم ومعرفة رغباتهم وطموحاتهم، ومن ثم توجيهها الوجهة السليمة المرضية بإذن الله تعالى.
مكانة شخصية الخطيب: إن لشخصية الخطيب وسمعته أثراً لا ينكر في تأثر السامعين بكلامه وذلك راجع إلى جهده المتواصل وإلى حرصه الدائم على تحسين مستواه بلا انقطاع، فإذا استقر في نفوس الناس أنه كفء لهذه المهمة،وظلوا يستفيدون منه استفادات لا تنكر، فإنه قد يخطب فيهم خطبة متوسطة المستوى، فيكون لها وقع في نفوسهم أكثر مما يكون لنفس الموضوع إذا سمعوه من خطيب آخر، ولو كانت خطبة غيره على مستوى أعلى من خطبته، طالما كان الخطيب الآخر لا يتمتع لديهم بالتقدير الكافي لشخصيته.
ومما قد يندرج في هذا الجانب أن ملابس وهيئة الخطيب لها أثر في إبراز شخصيته، وتهيئة جو مناسب لتمتعه بأكبر قسط من التأثير،وقد أوضحت هذا الأمر من قبل، لكني أعود وأؤكد عليه لأهميته من وجهة نظري، ثم لإهماله للأسف من كثير من اخواننا الأئمة، إن الاهتمام بمظهر الخطيب والداعي إلى الل أمر معروف منذ القدم، وقدكان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بردة يمانية يلبسه للصلاة، وأخرى للعيد، وأعيد عليك قصة إياس بن معاوية المزنى التي يحكيها الجاحظ في البيان والتبيين .. حيث أتى حلقة لقريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميمًا، رثًا قشيفًا، فاستهانوا به، فلما عرفوه اعتذروا اليه، وقالوا: الذنب مقسوم بيننا وبينك، أتيتنا في زى مسكين تكلمنا بكلام الملوك) ـ (البيان والتبيين ج1 ص 95).
تجنب التعالى على المستمعين: من اعظم عيوب الخطيب أن يتعالى على المستمعين إليه، سواء أكان ذلك تباهياً بعلمه، ام بتقواه، ام بكفاءته الخطابية، ام بأي شئ آخر، وسواء أكان تعاليه بطريق التصريح أم التلميح فهو مرفوض، ولقد قال احدهم:
وإذا خطبت على الرجال فلا تكن
خطل الكلام تقوله مختالاً
واعلم بأن من السكوت إبانة
ومن التكلم ما يكون خبالاً
وليبحث في أفعاله وأقواله حتى تكون كلها بعيدة عما يشتم منه أيه رائحة للتعالى، فإن ذلك مما ينفر السامعين منه، وبذلك يكون الخطيب مساهما في الإعراض عن دعوة الحق، وليعتقد مع كل ما يتخذ من تنقية سلوكه، أنه متهم بالتعالي من بعض الناس، وربما آذوه بغرائب الترهات والأقوال والأفتراءات، وهذا الصنف من الناس لا يكاد يخلو منهم مجتمع وفي مثلهم يقول الشاعر الحكيم:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
وليعلم أن من الناس من لا ينظر اليه الا من خلال أن الخطيب يعتقد أن له فضلاً عليهم، وهي ـ في الغالب ـ نظرة أقرانه إليه وهؤلاء يصدق عليهم قول القائل:(من رأى الناس له فضلاً عليهم حسدوه)،
فعلى الخطيب أن يتواضع لسامعيه، وأن يكون قدوة لهم في الاهتداء بما يدعو إليه من هدى الله ورسوله، متمثلا بقول أحد الخطباء الصالحين:
وقفت لتذكيرٍ ولو كنت منصفا
لذكرت نفسى فهى أحوج للذكرى
إذالم يكن منى لنفسى واعظ
فيا ليت شعرى كيف أفعل في الاخرى
الاشفاق على المستمعين:على الخطيب أن يكون شفوقا على المستمعين، وأن يعرب لهم احياناً عما يجد من اشفاق عليهم.
إن هذه المصارحة من أعظم المؤثرات في النفوس، ولقد أدرك الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مقدار ما لهذه الوسيلة من أثر في من يدعونهم إلى الله، فكان نوح ـ عليه السلام ـ يقول لقومه:(إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) (الأعراف ـ 59)، وهود ـ عليه السلام ـ قال نفس القول لقومه:(إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) (الشعراء ـ 135)، وشعيب ـ عليه السلام ـ قال:(إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) (هود ـ 84).
وللخطيب أن يقول مثلاً: والله لأن تكونوا مثالاً للمسلمين البررة، أحبَ إلى من أن تكونوا مثالاً لمن يتخلون عن البرَ وهم يعلمون، ولأن تكونوا أتقى لله وأحظى عنده، أحبَ إليَ من أن تكونوا غيرحريصين على السعي إلى رضاه، إلى آخر ما يشبه هذا الكلام، خصوصاً إذا ربطه ببعض الأحداث التي ظهرت في بيئة المستمعين إليه.
الحرص على جودة الالقاء: لا شك أن محاسن الخطابة كثيرة، ومن أهمها جودة الالقاء، ولا يبعد عن الصواب من يقول: إن الالقاء الجيد في الخطابة يستأثر بما يعادل النصف من جميع محاسنها) فإن هذا القول صحيح إلى حد بعيد،فكم من تعبير عذب أنيق ذهب سوء الالقاء بأناقته وعذوبته، وكم من معان رفيعة شريفة أنزلها الالقاء السيء عن مستواها الرفيع ، وكم من أدلة ناصعة مفحمة ، أتى الالقاء المتهافت على أثرها في النفوس. وقد أوضحنا أهمية الإلقاء في البحث السابق ،فعلى الخطيب أن لا يضعف تأثر السامعين بكلامه.
ضعف تأثر السامعين: إن ضعف تأثير الخطيب في السامعين قد يكون لأسباب خارجة عن الخطبة والخطيب، وقد يكون ناتجاً عن الخطبة ذاتها، وقد ينتج عما يعرف الناس أحياناً من سلوك الخطيب في حياته.
فمن الأسباب الخارجة عن الخطبة والخطيب: أن توجد ـ بصفة دائمة ـ ضوضاء في الشوارع المحيطة بالجامع، وتتسرب إلى داخله، فتشوش على المستمعين هدؤهم وإقبالهم على متابعة الخطيب، وفي هذه الحال يجب السعي لإزالة كل ما يحول دون استفادة المستمعين، وذلك بتعاون أهل الصلاح، وتدخلهم المتواصل، حتى يتوفر الجو المناسب للاستفادة الكاملة من خطبة الجمعة.
إن من تعاليم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن من يقول لصاحبه يوم الجمعة والامام يخطب (أنصت) يعتبر لاغياً، ومن لغا فلا جمعة له، فأنت ترى أن هذه الكلمة الخفيفة التي دعت إليها الحاجة إلى الانصات ما حذر منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الا لايجاد الجو المساعد على الانصات، والتفرغ الكامل للإستماع، حتى يظفر الناس في هذا اليوم بأكبر قدر من الاستفادة المرجوة.
وأن تحدث داخل الجامع حركات تتكرر من بعض المصلين فتشوش على الآخرين راحة استماعهم ، ومن تلك الحركات مثلاً معالجة فتح بعض الأبواب من غير داع أكيد، مع أحداث صرير أو قعقعة، تلتفت إليهما الرؤوس، ومنها نقل بعض البسط ونحوها خلال الصفوف، وقد يجتمع الأمران عند خطبة واحدة، وربما يشاهد الخطيب امرأة تتخلل صفوف الرجال وقد حدث هذا في المسجد الحرام بالمدينة فأرتج الخطيب أو يصدر صوت مفاجئ من أحد التليفونات المحمولة مع كثير من المصلين، وهذا كثير للأسف هذه الأيام أو يصرخ طفل يصر والده على إحضاره لصلاة الجمعة.
وفي مثل هذه الأحوال يمكن،بل يجب أن يقطع الخطيب بيانه، وينهى كل من يقوم بأي عمل يكدر جو الانصات المطمئن في المسجد، خصوصاً إذا تكرر العمل وآذى هدوء الخاشعين،ويمكنه أن لا يقطع خطبته ويكتفي بالإشارة إن كان من يشير إليه لبيباً، ولقد دخل رجل مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعل يتخلل الصفوف ، فقال له (صلى الله عليه وسلم):(أجلس فقد آذيت وآنيت) رواه أحمد وأبوداود عن عبدالله بن بسر ـ رضي الله عنه.
ولا يحسن بالخطيب أبداً أن يسكت عن أي حركة تؤذي المصلين، إذ أنها من المنكر وإذا لم ينه الخطيب عن المنكر فمن الذي يتولى ذلك النهي، وكل الناس عندئذ ملزمون بالانصات.
أن يكون حجم الجامع لا يفي باستيعاب جميع المصلين، فيجلس طائفة منهم في رحاب الجامع الداخلية أو خارجها، وليس لهم ما يقيهم لفح الشمس، أو طل المطر، وفي مثل هذه الأحوال يجب على الخطيب أن يقصر الخطبة بالقدر الذي لايلحق معه ضرر بمن امتلأ الجامع دونهم، لأن الرفق بالناس من تعاليم ديننا الحنيف، فقد دعا (صلى الله عليه وسلم) لأناس، ودعا على آخرين فقال:(اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولى من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق اللهم به) ـ رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها، أما الأسباب الناتجة عن الخطبة فهي كثيرة، ويرجع معظمها إلى ترك الخطيب لمراعاة ما ينبغي أن تكون عليه خطبة الجمعة، وقد تقدم أكثر ذلك في الفصول السابقة من هذا الكتاب، وأما الأسباب ِالناتجة عن ذات الخطيب فمنها: أن تخالف بعض أفعاله شيئا من أقواله ، فإن ذلك يعرضه للنقد الشديد ويضعف التأثر بما يدعو إليه.
ولا يخفى أن المفروض في خطيب الجمعة أن يكون سليماً من العيوب، فضلاً عن أن يقوم بأخف المخالفات، ومن لازم مهمته أن يبحث في تصرفاته بعنايه ويقظة، حتى لا تنزلق به الغفلة إلى ما لا يليق، فإن الخطر كل الخطر يكمن في مخالفة بعض أفعاله أى شيء من أقواله، فإن الفعل يهدم كل ما بناه القول، وتتبع الناس لسلوك الدعاة أمر قديم، قدم ظهور الدعوة إلى الله، فلقد كان رسول الله شعيب ـ عليه السلام ـ يقول لقومه:(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) (هود ـ 88).
أن يكون الخطيب غير كفء للمهمة التي يقوم بها إما لعدم تمكنه من الثقافة الدينية الكافية،ومثل هذا لابد أن يكون ضرره أكثر من نفعه، وإما لفقده أهم المؤهلات الخطابية ولو أنه على مستوى علمى لا بأس به، وخطر هذا أقل من خطر الأول .واما لأنه خال من المؤهلات العلمية الخطابية، وكان المفروض في مثل هذا أن لا تسند إليه مهمة الخطابة بأى حال من الأحوال.
وينبغي لمن بيدهم تنظيم عمل الخطباء أن يراعوا هذا الأمر، وأن يحرصوا على اسناد خطابة الجمعة للأكفاء دون سواهم معتبرين بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من استعمل رجلاً على عصابة، وفيهم من أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين) ـ رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى