الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. الإحسان (2)

من صفات المتقين .. الإحسان (2)

أيها القراء الكرام في مقال سابق ذكرت لحضراتكم أمن من صفات المتقين الإحسان وذكرت تعريفه وانواعه، وفي مقال اليوم نذكر مراتبه فأقول: ان الإحسان مراتب ودرجات:
ـ مرتبة المراقبة والمشاهدة والخوف من الله عزَّ وجلَّ وخشيته.
ـ مرتبة الحياء من الله سبحانه وتعالى.
ـ مرتبة الأنس برب العالمين.
فأما مرتبة الخوف والمراقبة فهي أن يعبد الإنسان ربه على وجه الحضور وكأنه يرى الله عزَّ وجلَّ بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، والجزاء من جنس العمل، فمن عَبَدَ الله على هذه الكيفية في الدنيا، كان جزاؤه أن ينظر إلى وجه الله الكريم عيانًا في الآخرة، كما قال تعالى:(وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة) )القيامة)، كما أخبر عن المحسنين فقال: (لَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس)، والمرتبة الثانية وهي مرتبة الحياء من الله عزَّ وجلَّ فهي ناتجة عن معرفة العبد بأن الله عزَّ وجلَّ يراه على أي حال، ويطلع عليه في كل أمر من أمره، فيستحيي العبد من خالقه أن يجده حيث نهاه أو يفقده حيث أمره، فيكون بذلك قد جعل الله عزَّ وجلَّ أهون الناظرين إليه، كما قال تعالى:(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ محيطاً)(النساء).
وقد دلّ القرآن على قرب الرب تبارك وتعالى من عباده واطلاعه عليهم في كثير من آياته، ومنها قوله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)(البقرة)، وقال تعالى:(مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانوا ..)(المجادلة)، وقال تعالى:(ونحن اقرب إليه من حبل الوريد)(ق).
وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله (صلى الله عليه وسلم):(إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة)، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
قال أبو بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم، خُلّي بينك وبين المحراب وبين الماء كلما شئت دخلت على الله عزَّ وجلَّ وليس بينك وبينه ترجمان.
والشاهد من ذلك أن من وصل إلى استحضار قرب الله عزَّ وجلَّ منه واطلاعه عليه استأنس بالله عزَّ وجلَّ واطمأن قلبه، ولم تنازعه نفسه في معصية الله والتجرؤ عليه؛ لأن هذه المراقبة يتولد عنها الحياء وهذا الحياء يمنع العبد من مفارقة المعصية وموافقة النفس والشيطان عليها.
أما المرتبة الثالثة التي يتضمنها الإحسان فهي مرتبة الأنس بالله عزَّ وجلَّ والاطمئنان إليه والفرح بعبوديته، قال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض، فقلت: كأنك تكره أن تؤتى؟ قال:أجل! فقلت: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس مَنْ ذكرني؟، وقيل لمالك بن مغفل وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟.
وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقرَّ عينه بك فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك فلا أنِس، وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي، وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه، فهؤلاء القوم استأنسوا بالله عزَّ وجلَّ واطمأنوا إليه، فلم يحوجهم إلى غيره؛ بل جعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية.
وقد بلغ نبينا (صلى الله عليه وسلم) الغاية في ذلك، لأنه أكمل الخلق فما انقطع عن الناس، وما أغلق الأبواب، وما وضع الحجاب، وما سكن الجبال والكهوف ليختلي بالله عزَّ وجلَّ وإنما كان يجالس أصحابه، ويمشي في حاجة الأرملة والمسكين، ومع ذلك كان في أنس دائم بالله عزَّ وجلَّ وكان الحبل ممدودًا بينه وبين الله تبارك وتعالى قال عبدالله بن عمر: كنا نعد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم( في المجلس الواحد مئة مرة: (ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة وهذا هو الكمال الحقيقي الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يقوم بحقوق العباد على أتم وجه وأكمله، ويقوم بحقوق النفس والأهل كذلك، وهو في ذلك كله لا يفتر لسانه من ذكر الله عزَّ وجلَّ كان إذا أراد الصلاة قال:(أرحنا بها يا بلال)، وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه:(صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه).
وقالت عائشة ـ رضي الله عنها: كان النبيّ (صلى الله عليه وسلم) يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:(أفلا أكون عبدًا شكوراً) فهكذا حصل للنبي (صلى الله عليه وسلم) الكمال في كل مراتب العبودية، وهذا ما عجز عنه غيره من البشر. فقد روي عن مسلم بن عابد أنه قال: لولا صلاة الجماعة ما خرجتُ من بيتي أبدًا. فأين عيادة المرضى، واتباع الجنائز، والسعي في حوائج المسلمين؟!.
والشاهد من ذلك كله أنه ينبغي للعبد أن يكون متصلاً بالله عزَّ وجلَّ ذاكرًا له، مستأنسًا به تبارك وتعالى غير مستوحش من فقد الأنس والجليس.
أيها القارئ الكريم: إذا عرفت فضل الإحسان وحقيقته ومنزلته وأجره وثوابه، فاعلم أنك مأمور بالإحسان في كل شيء، وفي كل عمل، وفي كل قول، وفي كل فعل، بل وفي كل خطرات قلبك وسكناتك، كما قال عزَّ وجل:(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي)(النحل)، وكما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي أخرجه مسلم عن شداد بن أوس قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته).

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الامين

إلى الأعلى