الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (105)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن التـعـاون، وهـذه الـمـودة تنشأ بأن يسـلم هـؤلاء الـكافـرون، فـيصـبحـوا إخـوة للمسلمين محـبة وإيـمانا ، وقـد تحـقـق هـذه فـعـلا، والتاريخ يشـهـد بـذلك، حـيـث أسـلـم قـوم منهـم ، وخـالـطـوا المسلـمـين ، كأبي سـفـيان بن حـرب، والحارث بن هـشام، وسهـيـل ابن عـمـرو، وحـكـيـم بن حـزام، وعـكـرمة بن أبي جـهـل.
وقـيـل لـما تـزوج النبي (صلى الله عـليـه وسـلـم) أم حـبيبة بنـت أبي سـفـيان نقـصـت حـدة عـداوة أبي سـفـيان للـرسـول، ولانـت عـر يكـته فـكان ذلك تـمهـيـدا لإسـلامه عـنـد فـتـح مـكـة المـكـرمة، في العـام الثامـن للهجـرة النبـوية.
وكـذلك فـتح الله باب الـمـودة بين المسلـمـين وغـيرهـم، ممـن عـرفـوا الحـق فأحـبـوه واهـتـدوا بـنـوره، فأضـاء السـبيـل أمامهـم، فـيـقـول الله تعالى:(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (الـمائـدة 82 ـ 83).
والـمـودة التي تبقى ويبارك الله فـيها، يجـب أن تـكـون عـلى طهارة وإخـلاص، حتى تـكـون مـودة حقـيقـية صـادقة، صـادرة مـن أعـماق القـلب، خالصة لـوجه الله، وقـد تـتـباعـد الأشـباح، ولـكـن إذا تقـاربـت الأرواح وتعـانـقـت، فـذلك أجـدر لـبـقـاء الـمـودة ويشـير إلى ذلك الـرسـول الكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) حـين قال:(الأرواح جـنـود مجـنـدة ، فـما تـعـارف منها ائـتلـف، وما تـناكـر منهـا اخـتلـف).
وكـتب صـديـق إلى صـديـق يقـول له:(إني صـادفـت منـك جـوهـر نفـسي، فأنا غـير محـمـود عـلى الانـقـياد لـك بغــير زمام، لأن النفـس يـتبـع بعـضها بـعـضا، وأنت جـزء مـن نفـسي، وقال أحـد الأعـراب:(لا يظـهـر الـود السليم إ لا مـن القـلب السليم) ولـذلك كان مـن شـأن الـمـودة الصادقـة أن تبقى وتـدوم، فـما كان لله دام واتصـل، وما كان لـغـير الله انقـطـع وانفـصـل).
وبعـد أن ذكـرنا الأصناف الطـيبة مـن الناس، الـذين بـنـوا مـودتهـم عـلى الخـير والمحبـة، وعـلى التـعـاون والـراحـم، والمعـاتبـة المفـعـمة بالشـفـقـة والـرحـمة.
قال الشـاعـر :
أعـاتب ذا الـمـودة مـن صـديـق
إذا مــا ربـني مـنه اجــتــنـاب
إذا ذهـب الـعـتـاب فـلـيس ود
ويـبـقى الـود ما بـقي العـتاب

ويقـابـل الـمـودة والمحـبة، الشـحـناء والـتـباغـض والتـنافـر، وفي ما يلي بيـان ذلك: نستعـرض بعـض الأصـناف الـذين حـذرنا الله منهـم في كتابه العـزيـز، ومـن الاقـتـراب منهـم أو التـشبه بهـم، فـمن تشـبه بقـوم فهـو منهـم، قال الله تعـالى:(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقـرة ـ 109).
وقال تعـالى:(وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (آل عـمـران ـ 69)، وقال أيـضاً:(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء ـ 89).
وقال تعـالى:(.. وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء ـ 102).
ويحـذرنا الله عـن إنشـاء مـودة بـين الـمـؤمنين والـكافـرين، اعـداء الله وأعـداء الـمـؤمنين، قال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) (الممتحـنة ـ 1).
قـيـل هـذه الآيـة نـزلت في شـأن حـاطـب بن أبي بلـتعـة ، حـينـما بعـث برسـالة إلى قـريش مـع امـرأة يخـبرهـم فـيها: أن الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) في طـريقـه إلى مـكـة المـكـرمة، يقـول: أما بــعـد فإن الـرسـول (صـلى الله عـليه وسـلم) قـد تـوجـه إلـيـكـم بجـيـش كاللـيـل، يسـير كالسـيـل، وأقـسـم بالله لـو لـم يـسـر إليـكـم إلا وحـده لأظـفـره بـكـم، وأنجـز له مـوعـده فـيـكـم ، فإن الله ولـيه وهـو ناصـره.
فأخـبر الله رسـوله بـذلك إذ نـزل جـبريـل الـروح الأمين عـلى رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم)، فـبعـث الـرسـول مـن يأتيه بالـرسـالة، قـيـل بعـث: الإمام عـلي بن أبي طـالب والـزبـير بن الـعــوام فأدركا الـظـعـيـنة في الـمـكان الـذي حـدده الـرسـول، فـلـما رجـعـا بالرسالة، احـضـر الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) حـاطـب بن أبي بلـتعـة، فـسـاله الرسـول: ما هـذا يا حـاطـب؟.
فـقـال حـاطـب بن أبي بـلـتـعـة يا رسـول الله : لا تعـجـل عـلي، إني كـنـت امـراء ملـصـقـاً في قـريـش، وكان مـن كان معــك مـن المهاجـرين لهـم قـرابات، يحـمـون بها أهـليهـم وأولادهـم، فأحـببت إذ فاتـني ذلك مـن النسب فـيهـم، أن أتخـذ فـيهـم يــدا يحـمـون بها قـرابتي، ولـم أفـعـله كـفـراً ولا ارتـداداً عـن ديني، ولا رضا بالكـفـر بـعـد أن أكـرمني الله بالإيـمان.
فـقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(أما صـاحـبكـم فـقـد صـدق)، فـقـال عـمر بن الخـطاب: دعـني يا رسـول الله أضـرب عـنـق هـذا الـمنافـق، فـقـال النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(إنه شـهـد بـدراً، وما يــديـرك لعـل الله اطـلـع عـلى أهـل بــدر، فـقال:(اعـمـلـوا ما شـئـتم فـقـد غـفـرت لـكـم)، فـقـال عـمـر: الله ورسـوله أعـلـم.
قال الله تعـالى:(لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ..) (الممتحـنة ـ 22).
تلك هـي حـالة الـمـؤمنين لا تأخـذهــم في الله لـومة لائـم، وقال ابن عـباس ـ رضي الله عـنهـما: نـزلـت هـذه الآية في أبي عـبيـدة عـامـر بن الجـراح أميـن الأمـة، حـين قـتـل أباه عـبـدالله بن الجـراح يـوم بـدر، وعـمـر بن الخـطاب قـتـل خـاله العاصي بن هـشام بن المغــيرة يـوم بـدر أيضـاً، وأبـو بـكـر الصـديـق دعا ابنـه يـوم بـد ر إلى الـمـبارزة، فـقال له النبي (صلى الله عـليه وسـلم):(متـعـنـا بنـفـسـك يا أبا بـكـر)، ومصـعـب بن عـمير قـتـل أخـاه عبيـد بن عـمير، وعـلي بن أبـي طـالب وحـمـزة وعـبـيـدة قـتـلـوا عـتـبة بن ربـيعـة وشـيبة بن ربيـعة، والـولـيـد بن عـتـبة يـوم بـدر، ذلك كان مـوقـف الصالحـين مـن عـباد الله الـمـؤمنـين الصادقـين.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى