السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (19)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (19)

تقدم بنا الحديث حول مقام ضرورة الإحتياج إلى النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين لفهم القرآن الكريم، وأن الاستغناء عنه صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين لأمر غير ممكن أصلاً، وقد تبيت هذه الأستحالة من خلال بيان الفرق بين المقامين للقران الكريم وهما: مقام التبيان، ومقام البيان، فإن مقام التبيان كما وجدناه في القرآن الكريم من مختصات مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وإن مقام البيان شامل لجميع الناس، فما هو موجود في مقام التبيان غير موجود في مقام البيان، وبينهما عموم وخصوص مطلق.
وعرفنا أن هذا المقام المعرفي المختص بالنبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين كاشف من جهته الاخرى عن مستوى عظمته صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وكاشف عن الامكانات المعرفية الهائلة عند النبي محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وفي الوقت نفس كاشف عن مستوى الإبداع الراقي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين في عالم إدارة المعرفة، فإن مجرد المعرفة بشئ لا يعني تمكنه من إدارتها في صقع عقله وذهنه ونفسه من جهة، ومن إدارتها في التعليم والتربية والعطاء المعرفي، فإن أغلب المحاضرين والتربويين يقعون في إشكالية الإلقاء للمعرفة وللمعلومة، من جهة الكم ومن جهة النوع، ومن جهة البعد الزماني، ومن جهة البعد المكاني، ومن جهة كمية المعلومة، ومن جهة مناسبة المعلومة، ومن جهة مراعاة المتلقي ومستواه، ومن جهة مراعاته عقلاً وسلوكاً ونفسية، وهكذا تتعدد احتياجات الالقاء، وفي هذه تظهر مستويات الإبداع في الملقي، وإننا نجد أن نبينا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين قد احتل قمة الهرم في هذا الخصوص ايضا، فلا يوجد احد يستطيع ان يصل ما وصل اليه صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين في اسلوب الالقاء وادارة المعلومة والمعرفة، وأيضا الحديث شيق في هذه الباب ونتركه الان لاختصاص الحلقات بعنوان (مفاتيح الدخول الى القرآن الكريم).
ولكن نقول خلاصة أنه لا يمكن لاحد أن يتخطى النبي محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين وفي فهم آيات وسور القرآن الكريم، وإلا فانه يذهب الى مكان بعيد، وأنه لا يرد الى المنهل الصحيح، وسيؤثر هذا على فهمه للنص القراني، وسيوقعه في اشكاليات وشبهات عظيمة.
واليوم سنبدأ الحديث عن مفاتيح الدخول الى القرآن الكريم الاخرى، ولكن قبل كل شئ لابد من الوقوف على التقسيم المعرفي الذي نجده في القرآن الكريم.
إن القرآن الكريم كتاب الله تعالى، وهو يحوي في آياته وسوره مجموعة كبيرة من العلوم، والتي يمكن أن تصنف تحت عنوان من العلوم المتعارفة اليوم في عصرنا الحديث، والتي منها: الايات التي تتحدث عن مختلف العلوم الطبيعية، ومنها الايات التي تتحدث عن علم الفلك، ومنها ما يتحدث عن علم الأحياء، ومنها ما هو عن علم الكيمياء، ومنها ما هو عن علم الإقتصاد، ومنها ما هو عن علم العقيدة، ومنها ما هو عن علم الاخلاق، ومنها ما هو عن علم الفقه، ومنها ما هو عن علم التاريخ، ومنها ما هو عن علم الإدارة، ومنها ما هو عن علم الأجنة، ومنها ما هو عن علم النفس، ومنها ما هو عن علم التربية، ومنها ما هو عن علم الإجتماع.
فهذا التقسيم والتصنيف لتقسيم وتصنيف تفصيلي، إلا أننا نريد الرجوع الى قمة راس هرم هذه التقسيم التفصيلي، والتصنيف المفصل الشامل.
فإننا نود الوقوف عند مفتاح اخر وهو مفتاح البعد العقلي في القرآن الكريم، وتتعلق بهذا البعد مجموعة من المسائل الدقيقة، والتي قد يكون في بعضها اخذا وردا بين الاعلام، إلا أننا نود الوقوف عند المشتركات الاساسية التي لا خلاف عليها، كما انها بديهة في المقام.
لننظر أولاً إلى حال القرآن الكريم، الذي يعتبر كتاباً عالمياً، وكتاباً انسانياً، فإن هذا يعني ان خطاب القرآن الكريم على مجموعة أنحاء، وهي، النحو الأول: خطاب غير المسلم، والنحو الثاني: خطاب المسلم، والنحو الثالث: خطاب المؤمن، والنحو الرابع: خطاب المتقي، والنحو الخامس: خطاب الأنبياء عليهم السلام، والنحو السادس: خطاب النبي الخاتم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.
وهكذا نجد في القرآن الكريم مجموعة من الانحاء في الخطاب في القرآن الكريم، وهي كما نجدها ـ من الطبيعي ـ أن تكون مختلفة في المضمون، والدلالة، ولكن نجد في هذه الأنحاء المتعددة في الخطاب القراني وجود عنصر مشترك واحد، يشترك فيه كل الطبقات والفئات المختلفة من الناس، وهذا العنصر المشترك والواحد الذي يشارك فيه جميع الناس وباختلاف طبقاتهم وفئاتهم المتعددة هو: العقل.
فإن العقل يعتبر العنصر المشترك الاساسي الذي من خلاله يتعامل القرآن الكريم مع سائر الناس، وبالخصوص من لم يتعرف على هذا الدين الحنيف، ومن لم يتعرف على النبي الاكرم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ، ومن لم يدخل الى الآن في ساحة القدس الإلهية.
وقد بيّن الاعلام بأن الذي يخاطبه القرآن الكريم وهو لا يعرف الدين ولا يعرف اي شئ عن الله تعالى شخص يحتاج الى خطاب تفهمه، والى خطاب يستوعبه، فهل يمكن أن يقول القرآن الكريم للانسان غير المسلم أن آمن بالله تعالى وبالنبي محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين من دون أن يضعه في مقام القناعة العقلية؟!.
أهل يمكن للقرآن الكريم ان يدعو الانسان الى الايمان بالله تعالى بنصه التعبدي والشخص المقابل لا يتعبد لاوامر الله تعالى من اصل؟.
وبعبارة اخرى .. لو ان شخصاً مسلماً جاء الى شخص غير مؤمن بالله تعالى، وغير مؤمن برسالة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين وقال له: عليك أن تؤمن بالله تعالى وحده.
فيسأله هذا الرجل غير المؤمن: وما هو دليلك على وحدانية الله تعالى؟ فسيجيبه مثلا: لان القرآن الكريم يطلب منك ذلك.
فهل مثل هذه الجواب سيكون مقبولاً لدى هذا الشخص؟، من الطبيعي كلا، لانه سيقول انا لا اؤمن بكتابك فكيف تود مني ان اؤمن اعتماداً على هذا الكتاب، ويقول اهل المنطق: بأن مثل الجواب يوصف بالدور، والدور عقلاً باطل، ومؤداه، أن (أ) تتوقف في وجودها على (ب) ولما أن نأتي الى (ب) نجدها تتوقف على وجودها على (أ) وهذا لا يمكن حصوله أبداً، فتوقف الشئ على نفسه باطل عقلاً ومنطقياً.
لذا نجد في مدرسة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين اسلوباً للحوار مع غير المسلم، ولا تعتمد الا على العنصر المشترك الموجود في كل الناس، وهو العنصر الذي خلقه الله تبارك وتعالى في جميع الناس بلا استثناء، وهو عنصر العقل.

هلال اللواتي

إلى الأعلى