الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ

شكر النعم

يقول الله تعالى:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الاسراء ـ 70).
وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، من المآكل والمشارب والملابس والمناكح.
فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به ويسره لهم غاية التيسير، بما خصهم به من المناقب وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات، أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم ولا تحجبهم النعم عن المنعم، فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم بل ربما استعانوا بها على معاصيه.
النعمة من الله تعالى ولا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا وبدايتها من الله عز وجل، فيكون العبد شاكراً لله على نفسه وعن غيره بمعرفة نعم الله على الخلق جميعا فهذا غاية الشكر، (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم ـ 7).
إن شكر الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، واجب على كل مسلم مصداقاً، قوله تعالى:(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة ـ 52)، وهذا المسلم وجب عليه مراقبة الله تعالى وذلك باستعمال واستغلال كل تلك النعم في الشكر على حالها، ولا يكتفي بالشكر باللسان فقط، ويفرط في آداب الشكر، فالنعم كثيرة والإنسان يغفل عن، فالإنسان كله نعم، فنعمة اللسان يكون الشكر بالتلاوة والذكر ، والكلام الطيب ، فإن استغلها لغير ذلك تنقلب النعمة نقمة في الدنيا وأشدها عذابا في الآخرة ولا أدل على ذلك إلا قوله تعالى:(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور ـ 24).
ونعمة البصر بأن يبصر بها الحق بالاعتبار، ولا تكون وسيلة للمعصية والوقوع على المحرمات ومشاهدة المنكرات (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور) (الحج ـ 46).ِ
ويكون الشكر بغض البصر، وناهيك عن حاسة السمع فالمسلم إن عرف قيمة هذه النعمة فهو يسخرها لسماع القرآن الكريم والذكر والكلام الطيب والمواعظ الحسنة، والكلام الذي فيه تذكير بالآخرة كذكر الموت.
فعلى المسلم الحذر وليستحي من الله بأن ينصت إلى الهوى والأخابيص، وتأمل معي أخي المسلم بالإضافة إلى كل النعم المذكورة وغير المذكورة، نعمة العقل التي خص بها الإنسان عن سائر المخلوقات فالعقل مدار التكليف فبه عرف خالقه وبه يستدل على وجوده وعظمته .. (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة ـ 164).
لذا وجب على المسلم أن يشكر الله على هذه النعم كلها، وشكر نعمة العقل تكون بالتفكر والتدبر والاعتبار واعتقاد حسن النية وشدة الاشفاق وطول الحزن في جميع الجوارح وسلامة الصدر للعامة وتعظيم الله تعالى وإجلاله ووجب الاستحياء منه والهيبة والتقوى وحسن الطاعة على حسب ما عقله من عظمة الخالق وكبريائه وقدره سبحانه وتعالى، (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد ـ 4). (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) (الأنفال ـ 22)، والشكر مقام الأنبياء والصالحين والأولياء الذين أحسنوا استغلال النعم وكانوا لله شاكرين، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) (الإسراء ـ 19)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان ـ 62).
لا شك أن هذه نعم عظيمة من الله على الإنسان بها ليتمتع بها في الدنيا، ويستغلها في فعل الخيرات لتكون شاهدة عليه يوم الحساب، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل ـ 12)، (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل ـ 67)، وقال تعالى:(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس ـ 65)، وقوله تعالى:(الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) (الكهف ـ 101).
فقد خص الله تعالى العقل بالكرامة، وحباه بأمر عظيم، وجعل العاقلين أعلى درجة وأشرفها في الدنيا والآخرة، وروي عن بعض الصحابة أنه قال:(لأن يزداد عقلي كل يوم مقدار ذرة، أحب إلى من حطم السيوف في سبيل الله تعالى بنفسي ومالي وإعطائي المال سخاء في أصناف المعروف وفي الصدقات)، ومن رغب في العقل وأرادا السبيل في اكتسابه، فإن أفضل ما تستفيد بالعقل أن يطيع الله فيما أفترض عليه ، وأن يتجنب ما حرم الله عليه فمتى فعل ذلك أخذ من العقل بنصيب، فمن رغب في علو درجات العقل ومزيد من الفوائد من الله عز وجل ، فليكن بخلاف الناس في فعلهم، فإن الناس إنما عصوا الله بما أنعم عليهم من صحة الجوارح والأرزاق المتواترة .. وغيرها من النعم المتظاهرة فيها قووا على معاصي الله، فعلى المسلم أن يستحي أن يعصي خالقه بنعمة وليكن من أهل الشكر والكرم .
الصوم وسيلة شكر النعمة بترك الإنسان ما لذ وطاب طول النهار من مأل ومشرب في حين أن النفس تميل إلى كثرة الطعام وتأبى الجوع وتمقته، وهو امساك النفس عما تهواه من الشهوات كالجماع وغيره مما كان حلالاً طيباً، وناهيك عن الامتناع عن الوقوع في المحرمات والمعاصي، كالتدخين والغيبة والكذب.

موسى بن قسور العامري

إلى الأعلى