الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ

رحاب

أحمد المعشني

بين التأمل والخلوة و الإعتكاف
**
ينصح علماء النفس وعلماء الرياضات الروحية والمستبصرين والمتواصلين باطنيا مع قدراتهم الفائقة؛ من يطلب السكينة والتغلب على متاعبه العضوية والنفسية بأن يخصص دقائق معدودة من أوقاته يوميا في الصباح أو المساء لممارسة التأمل المتمثل في السيطرة الذاتية الواعية على الأفكار، من خلال ايقاف تدفقها أو توجيهها أو تغييرها. ويساعد التأمل كثيرا من الممارسين على تخفيف حدة الواقع واعلاء إلإدراك المتسامي للحياة وتجاوز التفكير السلبي والنفاذ الى الصفاء الروحي، حيث يتحرر المتأمل من نمطية ردات الفعل تجاه أحداث الحياة ومتاعبها. وتأتي فائدة التأمل الذي يمارس من خلال الاختلاء بالذات في جلسة مستقيمة على الأرض أو على أريكة أو بساط، بأشكال مختلفة كالجلوس على كرسي أو الاستلقاء أو حتى المشي، تأتي فائدته في تحرير المتأمل من الإرتباط الذهني والانفعالي بمشكلات الواقع، وتتحقق ذروة فائدته في تحييد عقولنا وتحقيق حريتنا العاطفية والتخلص من الإرتباط الانفعالي الذي يقود إلى حياة انفعالية وعاطفية مقيدة بتحقيق ما يريد الإنسان أو التخلص مما يكره. وهدف التأمل أن يصبح الشخص مستنيرا، أي يتمتع بوعي سامي متحرر من جميع القيود والشروط؛ ما يتيح له بلوغ حالة الطمأنينة والرضا. أمّا الإعتكاف الذي يمارسه المسلم وتدعو إليه العديد من الديانات، فهو نافلة يمارسها المسلم مكوثا في مسجد بنية التعبد لله والتقرب إليه والتحرر من علائق الدنيا المقيدة لوعيه و التي يمكن أن تسحبه إلى الذات الدنيا، فتشغله بالشهوات وتنهكه بالأشياء وتحرك فيه نزعات الأنا بما فيها من افتتان بالمادة والشهوات وحب الذات والتشبث بالدنيا. فالاعتكاف نقلة واعية إلى الوعي بالله والارتباط به، وإعلاء لمستوى الوعي الروحي الذي يرتاد بالإنسان آفاقا رحبة وغير محدودة؛ حيث تصفى النفس ويزداد الإنسان شفافية تبعث في أعماقه قوة اليقين والتحرر من جميع المخاوف واختبار طمأنينة وسكينة ناقلة للطاقة الروحية بين العبد وربه. ويعد المعتكف نفسه ليكون مؤهلا لصلاح القلب والسير الى الله والاقبال عليه بالتقلل من الدنيا والانشغال بالله من خلال الصلاة والصيام و قراءة القرآن بما يتخلل ذلك من تفكر وذكر لله والأنس به. وتعتبر العشر الأواخر من رمضان موسما مثاليا وفرصة سانحة لممارسة الإعتكاف، ولو أقبل عليه الناس كما ينبغي لكان ذلك محفزا لجميع نزعات الخير والعمل الصالح والإيجابية. فالشخص الذي يلزم الاعتكاف لمدة عشرة أيام يخرج من تلك الدورة ومن ذلك البرنامج وقد ازداد وعيا بالذات، وأزاح الران الذي كان يحجبه عن الحقائق الكبرى. ويستطيع المعتكف أن يجمع بين التأمل والاعتكاف والخلوة، فهناك أوقات ينبغي أن ينفرد فيها المعتكف بذاته فيمارس التأمل الذاتي للحصول على صفاء العقل وحدة الذاكرة وقوة التفكير. كما يستطيع المعتكف أن يكثر من الطاعات كحضور الصلوات جماعة وقيام الليل والتهجد وقراءة القرآن ومراجعة الحفظ وتدارس بعض الكتب أو استضافة بعض العلماء وأهل الفكر، وبوسع المعتكف أن يخصص لنفسه أوقاتا للخلوة العلاجية للتلخص من بعض الأفكار السلبية والتشافي واعادة تنظيم الذات ومراجعة النفس والإكثار من الدعاء والتقرب إلى الله واستشعار قربه ومعيته.
إن ممارسة الإعتكاف مع الخلوة برنامج رائع لإعادة بناء الإنسان بتخليته وتنظيفه من جميع الأفكار والمعتقدات والمشاعر السلبية، ثم تحليته بعادات إيجابية ومفيدة وإعادة الثقة بالذات وتنشيط الإدارك الفائق وتفجير الطاقات الكامنة للإنسان. ويرافق الخلوة والإعتكاف التقلل من الكلام ولزوم الصمت وفي ذلك أسرار عجيبة يحكيها من يمارسون الصمت الاختياري على مستوى اللسان وعلى صعيد الأفكار.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى