الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (4) المقاصد في آداب الصوم وأحكامه.

الحلقة (4) المقاصد في آداب الصوم وأحكامه.

محمد بن سيف الشعيلي

.
بقلم/ محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
هناك العديد والكثير من مقاصد الصوم من خلال الآداب والأحكام التي يجب أن يتقيّد بها الصائم، وفي هذا اللقاء سنخرج بعضا من تلكم المقاصد التي رمتها نصوص السنة المطهرة، فمن الآداب التي وردت في الصيام أدب حفظ اللسان عن اللغو والفحش؛ لأجل تحقيق مراد التقوى في هذه العبادة، كما قال ذلك – صلى الله عليه وسلم -:(من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وقد سبق الحديث عنه في الحلقة السابقة؛ حيث بيّنا أن المراد من ذلك عدم إرادة المولى لمثل هذه العبادة ما لم يدع صاحبها مثل هذه الأمور في صيامه، وليس المراد عدم الحاجة من الله لصيام هذا الإنسان فهو جلّ في علاه أغنى الأغنياء عن الجن والإنس والعالمين وما يقدمونه من خير أو أعمال صالحة. كذلك فإن المقصد من النص تحرّز الإنسان عن آفات اللسان من غيبة ونميمة وسبّ وشتم وغيرها، فقد جاء في ذلك العديد من النصوص النبوية الجامعة والمبينة عدم قيام عبادة الصيام إلا بالبعد عن كل هذه الآفات، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -:(الغيبة والنميمة تفطران الصائم وتنقض الوضوء) فكل مدع الصيام دون ترك لهذه الأخلاق الذميمة يعدّ محروما من فضل الصيام وأجره وثوابه الذي أعده المولى لعباده الصائمين المخلصين، كما أنه لا يمكن أن تقوم صفة الصيام فيمن كان هذا طبعه وديدن لسانه؛ لأنه ملازم لمعاصي الأقوال والصوم والمعصية لا يجتمعان على الصحيح من أقوال أهل العلم. ويتضح مقصد الشريعة من تحريم هذه الأخلاق الدنيئة للألسنة في العديد من الأبعاد التربوية، والمغازي السلوكية السوية التي مؤدها عصمة أعراض العباد من القول الزور والقدح في أشخاص المجتمع المسلم، ولأن ترك مثل هذه الصفات السيئة فيه تقوية لأواصر وتلاحم أفراد وجماعات المجتمع المسلم، وفيه بعد عن وقوع الضغائن والبغضاء والعدوات من خلال ما يوقعه الذكر السيء لشخصيات المجتمع، فلذلك كانت هذه العقوبات ليست لذاتها؛ وإنما لأجل حمل الإنسان على الاستقامة والتمسّك بالفضائل، وتعميق الشعور عنده باحترام الآخرين مما يفضي إلى سلامة العلاقات ونظافة المجتمع. كذلك من المقاصد التي تجنى من خلال آداب الصيام تجديد النية واستحضارها، وتقرير الاستدامة على هذه العبادة كل يوم يصومه الإنسان المسلم، وذلك من خلال آداب الذكر والدعاء الواردة في سلوكيات الصيام، حيث وردت نصوص نبوية دالة على استحضار الإنسان واستشعاره لثبوت الأجر عند إفطاره، ومما ورد في ذلك ما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بالقول:(ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله). كذلك من النصوص المبينة مقاصد الصوم في آدابه تذكير داعي الصائم للأكل بكونه صائما بقوله – صلى الله عليه وسلم -:(إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل إني صائم) وهذا ينطبق على حالات عدة منها: تعرّض الصائم لسباب أو خصام أو قتال من غيره، فهنا تذكير لنفس الصائم بحاله، وتنبيه للغير بضرورة استشعار حال الصائمين وعظم هذه الشعيرة، وللصائم هنا أن يورّي بلفظ غير الوارد في النص إن خشي الرياء. ومن آداب الصوم وما يتبع كل واحد منها: أدب تعجيل الفطور؛ لأجل الابتعاد عن الضرر الذي يلحق الجسم من ترك الأكل والشرب لفترة طوية، وهذا فيه حفاظ على بقاء الأنفس وسلامة أعضائها وحواسها، وهو مطلب ومقصد أصيل من كليات الشريعة، وما يؤيد ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم – :(لا يزال الناس بخير، ما عجلوا الفطر). وأدب تأخير السحور وعدم التفريط فيه؛ لأجل تقوية الجسم في تحمل الامتناع عن الأكل والشرب طيلة النهار، لقوله – صلى الله عليه وسلم -:(تسحروا فإن في السحور بركة)؛ فبركة السحور كافية لتحقيق المقاصد وجني الفوائد. أما مقاصد الصوم في أحكامه فكثيرة جدا، منها الأمور التي يؤمر الصائم باجتنابها في صومه، الوصال في الصوم والاستمرار الدائم عليه؛ لأجل مقصد البعد عن إضعاف الجسم وهدّ قواه؛ حيث يترتب عليه الضعف في باقي العبادات نتيجة إضعاف العبد جسمه بالوصال في الصيام. كذلك يجتنب القبلة لزوجته؛ لأجل مقصد خوف إفساد الصوم بإنزال شهوته، إلا إن كان مالكا لأَرَبه، وقادرا على لجام شهوته وغريزته. كذلك اجتناب المبالغة في المضمضة والاستنشاق؛ لمقصد الخوف من ولوج الماء إلى الداخل. كذلك اجتناب الحجامة؛ لأجل مقصد اجتناب الضعف للجسم في الصيام. كذلك البعد عن الاكتحال والبخور وما شابهه؛ لأجل مقصد التحرّز عن البلوغ إلى الجوف والحلق. وقد وردت العديد من النصوص النبوية الدالة على تحقيق هذه المقاصد والأسرار والحكم في الصوم ليس هنا محل بسطها.
وإلى لقاء آخر جمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…..

إلى الأعلى