الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (23)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (23)

مؤهلات الخطيب:
من الدعاة من يدعو إلى الله بلسانه، فيحاضر أو يسامر، أو يدرس أو يناقش، ومن الدعاة من يدعو إلى الله بقلمه، فيحرر المقال أو يؤلف الكتاب، ومن الدعاة من يتحرك في كلا الاتجاهين، وإذا كان للخطيب حظ في مجال من مجالات الدعوة فانه يمتاز عن غيره بشيء عظيم الأهمية، وهو التزامه القيام بهذه المهمة في وقت محدد على الدوام وهو يوم (الجمعة) أو اليوم الذي يختاره لإلقاء درسه.
وأيا ما كان نشاط الخطيب فانه لا يرتفع إلى المستوى المرموق في ميدان الخطابة الا إذا كان يتمتع بمجموعة من المقومات التي تؤهله لهذه المهمة العظيمة في حياة الأمة.
إن تلك المؤهلات بعضها فطرىّ في الأنسان، وبعضها صناعى، يكتسب بالتعلم والممارسة المتواصلة.
المؤهلات الفطرية: تنحصر هذه المؤهلات في عنصرين إثنين، وهما: العقل السليم واللسان المبين.
أما العقل المراد هنا فهو: الذي يتمتع صاحبه بالقدرة علي البحث، ودقة الملاحظة، وجودة المقارنة بين الأشياء وسلامة الاستنتاج، مع انتباه متواصل وبديهة نيرة، وبأخذه بهذه المعطيات فإنه يقدر على التصرف بأمان في كل ما له علاقة بالتفكير، وكلما كان كثير الحظ منها، كان اقترابه من مستوى الكمال أكثر
ورغم أن الموهبة العقلية أمر فطري، فإنها تنمو بالصقل والتهذيب ،والتدرب المتواصل.
وأما اللسان المبين بالفطرة، فهو السليم من العيوب، بحيث يكون طلقاً لايتلعثم، ولايشوه صفات الحروف،وإنما ينساب به الخطاب انسياباً مريحاً لصاحبه، ولكل من يستمع إليه.
فإن انضم إلي سلامة العقل واللسان صوت سمح صاف،غير هزيل، تمت عندئذ للخطيب أعز المؤهلات الفطرية في هذا الميدان.
المؤهلات الصناعية: إن أهم ما يتأكد في خطيب الجمعة من هذه المؤهلات أن يكون: واسع الاطلاع، متمكناً من قواعد اللغه، ممتلكاً لزاد لغوي ثري، جيد المعرفة لمقاطع الكلام، مقتدراً علي التصرف بسهولة في البيان.
وإليك تفصيل القول في هذه المؤهلات: سعة الاطلاع :كلما كان الخطيب واسع الاطلاع، كان اقترابه من النجاح أكثر.
وليس المراد أن يطلع علي الكتاب والسنة فحسب،لأن الكتاب والسنة هما سند كل خطاب ما في هذا الأمر شك، وإنما المراد، أن يطلع علي جملة من أوثق التفاسير، وشروح السنة، وأن يلمّ بعلم مصطلح الحديث،وبالسيرة النبوية،ثم بأقوال الماضين من فقهاء الأمة،لأنهم قد خدموا هذا الدين علي مدى قرون، وتمكنوا ـ في مجموعهم ـ من الاطلاع على ما لم يطلع هو عليه واستنبطوا أطرف النفائس،ولأنه إذا كان على حظ من الاطلاع على ما اختلف فيه أئمة المذاهب سلم من أن يأمر أو ينهى عمّا اختلفوا فيه، لأن ما اختلف فيه أولئك الأئمة لايحسن أن يلزم الناس فيه بتحليل أو تحريم ،ويشتدّ فى ردّ ما لم يذهب هو إليه.
فإن مال إلى بعض تلك الأقوال المتقابلة،كان له أن يصدع به، مع نسبته إلى أصحابه، حتى لايتعرض إلى استنكار من لا يعرف من أقوال الأئمّة الا القول المخالف لما صدع به الخطيب.
وهذه النقطة كثيراً ما أثارت نزاعات لاداعى لها، ووسّعت شقة التفرق بين الأمة، ولو في مناطق محدودة،ومانشبت تلك النزعات الا من عدم مراعاة الخطيب لما يستدعيه الموقف في بعض الأوساط التي لا تعرف الا قدراً محدوداً جداً من علوم الدين، فضلاً عن أن تلمّ بما ذهب إليه القدماء من جلة العلماء الذين أجمعت الأمة علي فضلهم،ودقة نظرهم، وعلى أن مذاهبهم لم تكن مبنية على دواع من الهوى،أو الرّغبة فى الخلاف، وإنما كان ذلك منهم على بيّنة وبصيرة، وابتغاءً لرضوان الله.
ألاترى أن الصحابة ـ رضى الله عنهم ت في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد اختلفوا حين وجههم إلى بنى قريظة، وقال لهم:( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلايصل العصر الافى بنى قريظة) .. فلما توجّهوا تلقاء بنى قريظة أدركتهم صلاة العصر، فأراد بعضهم أن يصليها أثناء السير،لأنهم فهموا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه أراد استحثاثهم على سرعة السير فقط، ولكن طائفة أخرى امتنعت من أن تصلى الا في بنى قريظة، تمسكاً بظاهر القول النبوي الشريف، ولما اخبروه (صلى الله عليه وسلم) بما ذهب إليه كل فريق، لم يعب لا على هؤلاء،ولاعلى هؤلاء، مع أنهم رضى الله عنهم قد اختلفوا فى تطبيق العمل بقوله (صلى الله عليه وسلم)، ولكن كلا ّ من الطائفتين أرادت الخير باجتهادها، وما كان فى تصرفها أية رائحة لاتباع الهوى، ولو حصل بعض ذلك منهم لأطلع الله رسوله عليه،وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم على باطل.
وينبغى الا نفهم من هذه الحادثة أنّ لكل ّإنسان أن يدّعى أنّ له فهما خاصا لبعض نصوص الكتاب أو السنة دون أن يكون مؤهلاً لذلك بمعرفته للعلوم الآلية، ولا لأسباب النزول، وأسباب الحديث ودرجاته، وما فى ذلك الكتاب والسنة من نسخ، وعموم وخصوص، واطلاق وتقييد ومحكم ومتشابه، بالاضافة إلى معرفة طريقة العمل عند تعارض النصوص.
فإذا لم يكن الخطيب ملمّا بهذه العلوم، ولا ذا قدرة على الاستفادة من المؤلفات الموضوعة فيها ،ـ كى يقترب من الالتحاق بأهل هذا الشأن ـ فليحذر من التسرع إلى القول بما يفهمه فهما خاصاً، أو التسرع إلى ردّ ما فهمه غيره من أهل الاختصاص ،فيندرج عندئذ تحت قول الله تعالى:(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولمّا يأتهم تأويله) (يونس ـ 39).
والواجب عليه أن يقف عند الحدّ الذى بلغه والمتفق عليه بين أهل العلم . وليس هذا من باب الحجر على العقول، فان الله سبحانه وتعالى عاب من لا يتدبرون ،وأثنى على المتفكرين، ولكن ذلك مع الاستعداد المطلوب، فان كل علم له أدوات معينة واصطلاحات خاصة ضبطها العلماء ولابد من معرفتها حتى تتيسر الاستفادة من تلك العلوم، فعلى كل من يسعى إلى منافسة علماء الدين من قدماء هذه الأمة،أن يستعد لهذا الأمر باتخاذ الوسائل، واستكمال الأدوات، وليتوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
على أنه يمكن للخطيب أن يقتصر على الاطلاع الكافى بخصوص الموضوع الذى يريد تناوله بالخطاب، فيدرس ما ورد بشأنه فى الكتاب والسنة، وما فهمه أعلام المفسرين وشراح السنة، حتى ينتهى إلى الوثوق بمعرفته للموضوع معرفة كافية، ويجمل بالخطيب مع هذا أن يتزود بكل ما يجعله مقتدراً على الدعوة إلى الّله على بصيرة، أن يدرس بعناية حركات التنصير والاستعمار، وأنواع الشبهات التى أثيرت وتثار حول الاسلام وشريعة كافة المذاهب التى تعمل ضد الدين الحق.
ومن تمام ثقافته المتصلة بمخاطبة الجماهير ـ فى العصر الحديث ـ أن يطلع بما فيه الكفاية على العلوم المتصلة بالحياة العامة كعلوم الاجتماع والاقتصاد والمذاهب السياسية وتاريخ الأمم وعوامل تطورها وأسباب انهيار الحضارت، وليعلم الخطيب أن نجاحه فى مهمته يتضاعف بمقدار تضلّعه وتزوده من علوم الدين، وإلمامه بمختلف العلوم الانسانية، واطلاعه على أحداث العالم بلا انقطاع .
التمكن من قواعد اللغة: من أعظم عيوب الخطيب أن يستهين بمراعاة قواعد اللغة، لأن اللحن قد يعوق السامعين عن الفهم، وقد يشغل بعضهم بالتدبّر فيما كان ينبغى أن يصاغ عليه التعبير، وقد يتحّول بهم ذلك إلى التفكير فى كفاءة الخطيب، وخصوصاً، إذا تكرر ذلك منه، فتحول هذا اللّفتات بينهم وبين متابعة الموضوع بلا انقطاع.
إن مثل هذا التصّرف ما هو إلاّ تشجيع لطائفة من المستمعين على الخروج من مجال اهتمامهم بموضوع الخطبة إلى التعلق بما يهدر استفادتهم منها الاستفادة التامة، وهذا التمكن يمكن أن يأتى عن طريق التدريب وصقل المهارة والاستعانة بذوى الخبرة في هذا المجال وقد قيل من لا معلم له فمعلمه الشيطان وأنما العلم بالتعلم .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى