الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وسطية الحفاظ على التراث

وسطية الحفاظ على التراث

لكلّ مجتمع إنساني تراث يحضا به من خلال مراحل حياته الزمنية، تركه الأجداد للأحفاد، والسلف للخلف، سواء كان هذا التراث مادياً بحتاً كالقلاع والحصون والبيوت والمساجد، أم كان معنوياً كالعلوم والفنون.
والله تعالى حثنا بالنظر في هذا التراث للتأمل والاعتبار، قال تعالى:(قلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ..)، فإذا كان هذا السلف من المكذبين كانت الدلائل من الشواهد التي تجنب الخلف عن أخذ مسببات الهلاك، لذا قال بعدها:(ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين).
والناس في تراثهم قسمان: قسم غالى وأفرط في تقديس التراث، وأنفق من أجله الأموال ولو على سبيل حاجات الناس الضرورية، بل ومنهم من اتخذ التراث إلها من دون الله تعالى، كمقدسي الأضرحة والقبور، ومنبع الأفلاج والعيون.
وقسم آخر من الناس أصابه التفريط، فأهمل التراث، واعتبره جملة قرين الشرك، أو لم يلقَ به بالا رأساً، وقد يسعى في هدمه ودفنه لاعتبارات ظنية.
والشريعة الغراء وسط بين هذين الجانبين، فلا إفراط ولا تفريط، فالحفاظ على تركة الأجداد من التلف مع مراعاة الجوانب الأخرى، عنصر حضاري يدعو إليه الشرع الحنيف، فالله تعالى ربط بعض العبادات بأحداث تأريخية كالسعي والطواف وزيارة المسجد الأقصى، فالتراث وإن غالى في القدم كان خير شاهد لمن سلف، ومذكراً للخلف بفناء هذه الحياة الدنيا، كما أنه يمدنا بشواهد مادية على تأريخ مضى من حياة هذا الإنسان.
وإذا جئنا إلى المساجد فالمساجد فوق كونها تراثاً تدل على حقبة من الزمن، يشد بناؤها لتلك الأوقات الإيمانية التي قضيت في رحاب الله تعالى، من صلاة وقراءة وتعليم، وفوق هذا تحتفظ بمكانتها كمسجد ومصلى إلى يوم القيامة، فالجمهور من أهل العلم أن لأرض المسجد أو المصلى قدسية باقية إلى يوم الدين، لا تستبدل ولا تزول عنها هذه المكانة.
لذا جعل هذه الأماكن الطاهرة مكاناً للدنس والأوساخ، ومرتعا للفواحش والمنكرات، ومحلا للزبالة والقمامة كما يحدث في المساجد المهجورة؛ إنما يدلّ على تخلف وصل إليه أفراد من هذه الأمة، فلا يجوز أن تدنس هذه العرصات، والتي طالما ارتفع منها اسم الله بمثل هذه القاذورات بل يجب أن تصان وترعى، وتحفظ وتطهر، وإن كان الناس في غنى عنها فلتجعل مدرسة أو مكتبة ولو صغيرة، أو تحفظ لعل الأجيال المقبلة تحوّلها إلى مكان نافع مع بقاء قدسيتها المسجدية على قول الجمهور.
وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تجعل مرتعا للشرك، فهي مكان مخلوق لا يجلب نفعا، ولا يدفع ضرا، كان فيها أقوام أمثالنا، يذكرون الله تعالى فيها، ويتلون فيها آياته، وقد مضوا إلى ربهم، وبقت هذه الأماكن شاهدة على أولئك، فلا يصح أن يعتقد أن لها قدرات خارقة، فيطلب منها دفع الأمراض، ويتوسلون بها للشفاعات وجلب النفع، فهي في حد ذاتها خير شاهد على الفناء والعجز، فكيف يطلب من الفاني والعاجز مثل هذا؟!.
فلنكن خير أمة تجمع بين الحفاظ على تراثها، وتجعله رمزا لحضارتها وماضيها، مع عدم الغلو والإفراط وإهمال جوانب أخرى من حياتها، وتقديم الإنفاق على الضرورات كتوفير العدالة الاجتماعية في حقوق الشعوب والأفراد، وبناء المصانع والمؤسسات، مع إمكانية استغلال هذه الأماكن كما أسلفت استغلالا حسنا كتحويلها إلى مدارس أو مكتبات ونحوها.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى