الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ثلاثية متلازمة (1)

ثلاثية متلازمة (1)

هذه الثلاثية هي السلوك، والفكر، والعقيدة؛ فالسلوك نتاج الفكر، والفكر نتاج العقيدة. السلوك دلالة الفكر، والفكر دلالة العقيدة. السلوك علامة الفكر، والفكر علامة العقيدة. السلوك مرآة الفكر، والفكر مرآة العقيدة. والعقيدة محلها القلب، والفكر محله العقل. والسلوك محله الجوارح فما استقر في القلب انعكس على العقل، وما انعكس على العقل فاض على الجوارح إذ الظاهر ترجمة للباطن، فنقاء السيرة دليل على صفاء السريرة، ورداءة السيرة دليل على تكدر السريرة، فالقلب خزانة كل جوهر نفيس، وخزانة كل شيء رخيص. القلب وعاء الصلاح، ووعاء الفساد، القلب صندوق الخير، وصندوق الشر، القلب مستودع النافع، ومستودع الضار، يقول النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم):(ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا هي القلب)، ويقول حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين):(فإن كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح).
فالقلب كما يقال: ملك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها له تبع، فإذا صلح المتبوع، صلح التابع، وإذا استقام الملك، استقامت الرعية، والعكس بالعكس، وفي هذا يقول أبو هريرة ـ رضي الله عنه:(القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت الأعضاء، وإذا خبث الملك خبثت جنوده).
وفي مقدمة الجوارح اليد واللسان لذا يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ـ متفق عليه، وفي رواية أخرى:(المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ـ رواه أحمد.
وعليه فإذا صحت العقيدة سلم الفكر، وإذا سلم الفكر استقام السلوك، وإذا فسدت العقيدة تعفن الفكر، وإذا تعفن الفكر انحرف السلوك. فالعقيدة الصحيحة تكّون فكرًا سليمًا لدى معتقديها، والفكر السليم يؤدي إلى سلوك حسن مستقيم، والعقيدة الفاسدة تكون فكرًا خاطئًا لدى معتقديها، والفكر الخاطئ يؤدي إلى سلوك سيئ منحرف، وهذه المعادلة لا يختلف فيها اثنان من العقلاء.
إن حديثي عن هذا الموضوع ينطلق من محورين هما تحديد المصطلحات، وتغيير العقائد.
المحور الأول ـ تحديد المصطلحات: إن تحديد المصطلحات من الأهمية بمكان؛ إذ هو يساعد على إيصال المعلومة، وتوضيح المعنى، ويعين على فهم الموضوع، ولا أطيل في هذا المحور، وإنما أقف عنده بقدر ما يفي بالغرض، ويخدم الموضوع.
أولاً: معنى السلوك، لغة: مأخوذ من الفعل الماضي سلك. أي: دخل، يقال سلك فلان طريقًا. بمعنى دخل طريقًا، وسار فيه، وفي التنزيل قول الله تعالى:(ما سلككم في سقر) (المدثر ـ 42) أي: ما أدخلكم في سقر، وقوله تعالى:(اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) (القصص ـ 32) أي: ادخل يدك في جيبك.
واصطلاحاً: هو تصرف الإنسان، وهذا التصرف يتناول كل ما يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال على وجه الإرادة والاختيار، والسلوك قسمان: سلوك حسن، وسلوك سيئ، أي: تصرف حسن، وتصرف سيئ، فما كان موافقًا لتعاليم الإسلام، فهو سلوك حسن، وتصرف محمود؛ يثمر خيرًا، ويحقق نفعًا، ويأتي بفائدة، وما كان مخالفًا لتعاليم الإسلام، فهو سلوك سيئ، وتصرف مذموم؛ لا يثمر خيرًا، ولا يحقق نفعًا، ولا يأتي بفائدة، بل يثمر شرًا، ويحقق ضررًا، ويأتي بخسارة.
ثانيًا: الفكر لغة هو: مأخوذ من الفعل الماضي فَكَّرَ (بالتشديد) يُفَكِّرُ تفكيراً، ويقال: فَكَرَ (بالتخفيف) يَفكُرُ فِكرًا أو فَكرًا على وزن: ضَرَبَ، يَضرِبُ، ضربًا، والفكر هو التأمل، والتصور، والنظر، والفِكرَة: من الفِكر وهي الصورة الذهنية لأمر ما وجمعها فِكَرٌ.
وقد وردت مادة (فَكَرَ) في القرآن الكريم في نحو عشرين موضعًا، ولكنها بصيغة الفعل ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر إلا أن الفعل في اللغة العربية يدل على الحدث ذاته، وعلى من قام به وهو هنا المفكر، من تلكم الآيات قول الله تعالى:(إنَّه فَكَّرَ وَقَدَّر) وقوله تعالى:(أفلا تتفكرون) وقوله تعالى:(لعلهم يتفكرون).
ففي الآية الأولى بصيغة الماضي (فَكَّر)، وفي الآية الثانية بصيغة المضارع المخاطب (تتفكرون)، وفي الآية الثالثة بصيغة المضارع الغائب (يتفكرون).
واصطلاحًا هو: نشاط ذهني يدل على قدرة العقل؛ إذ العقل البشري له وظائف كلها مرتبطة بعالم الشهادة، أي بعالم الحس، أهم هذه الوظائف: الاستقبال، والحفظ، والتخزين، والتحليل، والحكم، والإسهام، والإرسال، بمعنى أن العقل يقوم باستقبال العلوم والمعارف بواسطة الحواس الخمس، ثم يقوم بتخزينها، وحفظها، بعد ذلك يقوم بعملية التحليل، وإصدار الحكم، ثم الإسهام فيها؛ بتعديلها، أو بحذف شيء منها، أو بإضافة شيء جديد عليها، ثم إرسالها إلى الغير، أي: إلى العالم الخارجي عن طريق الجوارح. .. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى