الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / هل تشتاق إلى الجنة؟ (2)

هل تشتاق إلى الجنة؟ (2)

دعوة من الله جل جلاله لسكنى دار الخلد وجنة المأوى، صحتك فيها لا تقل ولا تفنى، وثيابك فيها لا تبلى، ووجهك فيها كالنجم في السماء أو هو أصفى، وسنك فيه الثلاثة والثلاثين لا يتعدى، والجمال والكمال عليك فيها قد استولى حياتك فيها حياة رضية، وعيشك فيها سعادة أبدية، وأوقاتك فيها أوقات هنية، إنها دعوة تطير النفس في أجوائها وتحلق الروح في سمائها ويستروح القلب في قسماتها بعيدا عن الحياة الدنيا التي أكثر عيشها كدر وصفوها ممزوج بالمرر، إن سعد فيها المرء يوما شقى أياما، وإن تنعم ساعة تألم ساعات بل أعواماً. لا يخلو فيها فرح من ترح، ولا بهجة من حزن، ولا سرور من ألم.
إن كان فيها الإنسان فقيرا تعب في تحصيل قوته وقوت عياله، وإن رزقه المال فيها شقى في حفظه وإنمائه وإن ذاق فيها ما لذ وطاب ضاق بعدها بإخراج فضلاته، فما أحقر نعيم الدنيا الزائف أمام النعيم الحقيقي في الجنة، وما قيمة نعيم الدنيا من نعيم دار يقول الله عز وجل في كرامة أهلها )وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً، عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً) (الإنسان 12 ـ 22).
كيف نؤمن بالجنة؟ كيف يكون إيماننا بالجنة صادقاً راسخاً؟ كثير من الناس يظن أن الإيمان بالجنة هو معرفة أوصافها فحسب وهذا فهم قاصر إن الإيمان بالجنة يتضمن ثلاثة أمور، الأمر الأول: أن تزرع الشوق في قلبك لها، والأمر الثاني: أن تحقق شروط دخول الجنة من توحيد الله عز وجل والاستقامة على الكتاب والسنة وطاعة الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم)، والأمر الثالث: أن يكون في قلبك خوف شديد من فوات الجنة لأنه كما أن الجنة قريبة منك فالنار قريبة كذلك، وكما قد تدخل هذه قد تدخل تلك.
كان عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ إذا وقف على القبر بكى حتى يبل لحيته وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيهما يؤمر بي لاخترت أن أكون ترابا قبل أن أعلم.
وبكى عمر بن عبد العزيز فقالت له فاطمة زوجه: ما الذي أبكاك؟ فقال: ذكرت منصرف القوم بين يدي الله عز وجل فريق في الجنة وفريق في السعير غشي عليه من الفزع خوفا على مصيره، والأمر كله لا يعدو أن يكون مناما لا يقدم ولا يؤخر، ولكن لأن قلبه كان مليئا بالإيمان، وكان يعلم أن أحدا لا يعلم مصيره خشي من فوات الجنة.
فأهل الجنة جزاهم الله تعالى بصبرهم عن المعاصي وصبرهم على الطاعات جنة عظيمة يسكنونها، وحريرا جميلا يلبسونه، ثم ها هم يجلسون على الأسرة بين القطوف الدانية والثمار المتدلية يتنسمون هواء مناخ لطيف وأجواء صافية لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، فالجو حولهم رخاء ناعم في غير حر، ندي لطيف في غير برد، ودانية عليهم ظلالها وذلل الله لهم ثمارها وقطوفها تذليلاً. قال مجاهد: إن قام العبد ارتفعت معه الثمار بقدر وإن قعد تذللت له، وإن اضطجع تذللت له، يطوف عليهم الخدم بأنواع من الشراب في آنية من فضة وأكواب صافية كالقوارير الزجاج، وهي بأحجام مقدرة تقديرا يحقق المتاع والجمال وتمزج كؤوس خمرهم بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور كذلك تملأ من عين جارية في الجنة تسمى سلسبيلاً قال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها، وحدة جريها، ويطوف على أهل الجنة الولدان المخلدون لا تزيد أعمارهم ولا يتغيرون، إذا رأيتهم وهم منتشرون يخدمون أهل الجنة (وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً) أهل الجنة قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد يسبحون الله بكرة وعشيا، لا يسقمون ولا يتمخطون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة أي: أعواد البخور.
إن الإيمان بالجنة وما أعد الله فيها لأوليائه من أهم أركان الإيمان باليوم الآخر، فقد أكثر الله عز وجل من وصفها وذكر كرامة أهلها لما لذلك من تأثير على النفوس عظيم، فللإيمان بالجنة أهمية كبيرة وآثار عظيمة، فمن الأسباب التي تجعل الإيمان بالجنة ركنا هاما في حياة المسلم كثرة ذكر الجنة، ورسوخ الإيمان بها في القلب حافز هام لعزيمة المسلم ليندفع إلى الطاعة والعبادة، ولك أن تقارن بين رجلين: الأول يعرف أوصاف الجنة وأنواع النعيم بها والآخر لا يعرف عن الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين شيئا، هل سيكون حالهما واحداً في عبادة الله عز وجل؟ كلا إن الأول لمعرفته بأوصاف الجنة ولإيمانه الراسخ بنعيمها سيندفع إلى العبادة والطاعة شوقاً إليها.
قال ابن القيم: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهروب من هذه فترت عزائمه وضعفت همته ووهن باعثه، وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها كان الباعث للطاعة أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم،
ماذا أعددت أخي للجنة؟! هل جهزت الزاد؟ أم أنك في غفلة؟ هل سألت نفسك ولو للحظة ماذا قدمت لذاك السفر؟ الكل على وجهة هذه الأرض يعرف المصير.. المصير إما جنة نعيمها دائم أو نار والعياذ بالله منها .. ولو تفكرنا وتأملنا بحالنا اليوم .. نرى طول الأمل .. وننسي أننا في يوم مغادرون في أي لحظة .. نسـأل الله حسن الخاتمة .. أعدوا الزاد فالعمر قصير .. وأحسنوا الظن بالله .. ويا صاحب المعاصي لا تيأس وثق بالله والله يقول في محكم تنزيله:(قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ..) .. وأخيراً سارعوا إلى الجنة.
*(المصدر: من عدة مراجع)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى