الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الحشر

سورة الحشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ورحمة الله تعالى للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .. بعون الله تعالى في رحاب شهر رمضان المبارك مع سورة من القرآن الكريم نعيش حولها من خلال موقع المصحف الإلكتروني متدبرين مقاصدها ومحاورها لنسعد في الدارين والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
‏سُميت ‏بهذا ‏الاسم ‏لأن ‏الله ‏الذي ‏حشر ‏اليهود ‏وجمعهم ‏خارج ‏المدينة ‏هو ‏الذي ‏يحشر ‏الناس ‏ويجمعهم ‏يوم ‏القيامة ‏للحساب‏، ‏وتسمى ‏أيضا ‏‏(‏بني ‏النضير)‎ وهي سورة مدنية، من المفصل، آياتها (24)، ترتيبها التاسعة والخمسون، نزلت بعد البينة، من المسبحات، بدأت بفعل ماضي (سَبَّحَ) وهو أحد أساليب الثناء والتسبيح ذُكِرَ لفظ الجلالة في الآية الأولى واسم الله العزيز الحكيم، اسم السورة احد اسماء يوم القيامة.
وسبب نزول السورة قال المفسرون نزلت هذه الآية في بني النضير، وذلك أن النبي لما قدم المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه، ولا يقاتلوا معه، وقبل ذلك منهم فلما غزا رسول الله بدرا وظهر على المشركين قالت: بنو النضير، والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحداً، وهزم المسلمون نقضوا العهد، وأظهروا العداوة لرسول الله والمؤمنين ، فحاصرهم رسول الله ثم صالحهم على الجلاء من المدينة.
وعن ابن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدر إلى اليهود أنكم أهل الحلقة والحصون، وأنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم وبين الخلاخل شيء، فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير الغدر، وأرسلوا إلى النبي أن أخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج معنا ثلاثون حبراً، حتى نلتقى بمكان نصف بيننا وبينك ليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك كلنا، فخرج النبي في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟ فأرسلوا كيف نتفق ونحن ستون رجلا اخرج في ثلاثة من أصحابك وتخرج إليك ثلاثة من علمائنا أن آمنوا بك آمنا بك كلنا وصدقناك ، فخرج النبي في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها ـ وهو مسلم من الأنصار ـ فأخبرته خبر ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله وأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي فساره بخبرهم فرجع النبي فلما كان من الغد عدا عليهم بالكتائب، فحاصرهم، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، على أن لهم ما أقلت إبل إلا الحلقة وهى السلاح، وكانوا يخربون بيوتهم فيأخذون ما وافقهم من خشبها فأنزل الله تعالى (سبح لله ما في السموات وما في الأرض حتى بلغ والله على كل شيء قدير).
وذلك أن رسول الله لما نزل ببني النضير وتحصنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها ، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا زعمت يا محمد أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر المثمر، وقطع النخيل، وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبي فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً واختلفوا في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل اقطعوا فأنزل الله تبارك وتعالى:(ما قطعتم من لينة) الآية تصديقا لمن نهى عن قطعه، وتحليلا لمن قطعه، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى.
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله حرق نخل النضير، وقطع وهى البويرة، فأنزل الله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين رواه البخاري ومسلم عن قتيبة، ووعن ابن عباس قال: جاء يهودي إلى النبي قال: أنا أقوم فأصلي، قال: قدر الله لك ذلك أن تصلى. قال: أنا أقعد. قال: قدر الله لك أن تقعد، قال: أنا أقوم إلى هذه الشجرة فأقطعها، قال: قدر الله لك أن تقطعها، قال: فجاء جبريل فقال: يا محمد لقنت حجتك كما لقنها إبراهيم على قومه، وأنزل الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) يعنى: اليهود .
أمر الله رسوله بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل رسول الله يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها، قال: والإيجاف أن يوضعوا السير، وهى لرسول الله فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع فأتاها رسول الله فاحتواها كلها فقال أناس: هلا قسمها، فأنزل الله هذه الآية.
تعنى السورة بجانب التشريع، ويدور محور الحديث فيها عن غزوة (بني النضير)، وهم اليهود الذين نقضوا العهد مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأجلاهم عن المدينة المنورة، كما تحدثت عن المنافقين وفضحت فعائلهم وحذرت منهم، وهي بإيجاز سورة (الغزوات والجهاد) والفيء والغنائم.
ابتدأت بتنـزيه الله وتمجيده فالكون كله ينطق بعظمته، وذكرت بعض آثار قدرته تعالى بإجلاء اليهود عن ديارهم وقلاعهم، من قوله تعالى:(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) إلى قوله تعالى:(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).
وضحت الحكمة من الفيء لمساعدة الفقراء والتعادل في طبقات المجتمع، قال تعالى:(وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ..) إلى قوله تعالى:(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .
تناولت أصحاب رسول الله بالثناء العاطر، ونوّهت بفضائل المهاجرين والأنصار، من قوله تعالى:(لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ..) إلى قوله تعالى:(.. وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
ذكرت المنافقين الأشرار الذين تحالفوا مع اليهود ضد المسلمين، ومثلتهم بالشيطان الذي يغري الإنسان بالكفر، ووعظت المؤمنين بتذكّر يوم القيامة، من قوله تعالى:(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ ..) إلى قوله تعالى:(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).
ختمت بذكر عظمة القرآن الكريم وذكرت أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونزهته تعالى عن كل نقص ، من قوله تعالى:(لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً ..) إلى قوله تعالى:(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .. والله أعلم.

اعداد ـ ام يوسف

إلى الأعلى