الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكملة الصلات بالقرآن المكي والمدني وبيان فوائدهما

تكملة الصلات بالقرآن المكي والمدني وبيان فوائدهما

هنا يا عزيزي القاريء نستكمل بيان باقي الصلات التي استنتجها العلماء في تقسيم القرآن الكريم والمتعلقة بالقرآن المكي والمدني.
ما نزل في الصباح: فمثال القرآن الصبحي ما جاء في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (الفتح ـ 24(.
ما نزل مشيّعاً وما نزل مُفْرَداً: والقرآن المشيع هو ما شيّعته الملائكة حين نزوله بينما المُفْرَد ما نزل به روح القدس وحده وهو غالب القرآن , فمثال المشيّع سورة الانعام وجاء في الحديث:(لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا سَدَّ الْأُفُقَ).
ما نزل مفرَّقاً وما نزل جمعاً: غالب السور نزل مفرّقا حسب المناسبات والوقائع، كما قال الله تعالى:(وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء ـ 106), إلا أن بعض السور القليلة نزلت جملة واحدة وهذا لا يتنافى مع الآية هذه, لأن بالنظر إلى مجموع القرآن فإن آياته وسوره نزلت مفرقاً, ومن السور المفرّقة القصار: العلق والمدثر والضحى نزل صدرها أولاً ثم آخرها ومن السور الطوال البقرة والبراءة وآل عمران فالأخيرتان نزل صدرهما أولاً قم آخرهما.
ومثال السور الجمع من القصار الفاتحة والاخلاص والكوثر والمسد والنصر والمعوذتان, ومن الطوال المفصل والمرسلات والأنعام.
ما تأخر حكمه عن وقت نزوله: أي الذي يتأخر العمل به عن وقت نزوله أي لا يلزم الأخذ بحكمها حين نزولها, ومثاله من القرآن المكي قوله سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)(الأعلى 14 ـ 15) فزكاة الفطر وصلاة العيد وجبتا في المدينة, ومنه قوله سبحانه:(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)(القمر ـ 45) والله هزم جمع مكة بعد الهجرة في غزوة بدر وما تبعها , ولذا فقد تأخر حكم الآية إلى حين ذاك وجاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَوْمَ بَدْرٍ:(اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ) فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:(سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر ـ 45), ومنه ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) وحول الكعبة ستون وثَلثمائة نصُب، فجعل يَطعنُها بعُودٍ كان بيده، ويقول:(قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)، (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا), وهذه الآيتان مكيتان طُبَّق حكمها في مكة بعد الهجرة أي في عصر القرآن المدني.
ما تأخر نزوله عن حكمه: وهو القرآن الذي عُمِل به قبل وقت نزوله, فمثلاً الوضوء عمِل به المسلمون وهم بمكة لكن آية الوضوء لم تنزل إلا في المدينة ولعل الحكمة من ذلك هو جعل ذلك الحكم آية متلوة, وآية الوضوء هي قول الله سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)(المائدة ـ 6)، ومثال آخر هو إن الجمعة صلاها النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون عندما كانوا بمكة مع إن سورة الجمعة التي فيها الحكم مدنية .
فوائد معرفة القرآن المكي من المدني:
ـ يعين على التفسير بمعرفة الناسخ من المنسوخ فالأول غالبا ما يكون مدنياً والثاني غالباً ما يكون مكياً و يعين كذلك على فهم الآيات فهماً دقيقاً صحيحاً حين يتعرف على اسلوب القرآن المكي واسلوب القرآن المدني وعلى الأحوال السائدة في الموضعين وما فيهما من أحداث رئيسية مناسبة للتنزيل, فكل ذلك معين على فهم آيات القرآن.
ـ إدراك التغاير بين اسلوب القرآن في مكة واسلوبه في المدينة وبالتالي الاستفادة منه بانتهاجه في مهمة الدعوة مثل التدرج في الدعوة ومراعاة أحوال المدعوين، ومعرفة تواريخ التشريع، ومعرفة السيرة النبوية وأي كلام أصدق من كلام الله في بيانها؟ كلا، والثقة الكاملة والصادقة بالقرآن وبخلوِّه من التحريف حين يعرف تواريخ النزول ومكانه ويعرف مناسبة القرآن لتلك المنازل المكانية والزمانية وبالتالي يقوده إلى التفاني في خدمة القرآن الكريم ونشر علومه وأحكامه، ومعرفة مدى اهتمام الصحابة بالقرآن الكريم حين يروون أن هذه الآية مكية والأخرى مدنية وإن هذه السورة مكية والأخرى مدنية وأن هذه الآية نزلت بالصيف أو بالليل أو بالنهار وبالصبح .. الخ فكل ذلك يدل على أن الصحابة بذلوا قصارى جهدهم في بيان القرآن الكريم ولم يألوا شيئاً ـ عليهم رضوان الله.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى