الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (1)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (1)

يؤدي علمُ الصرف دورًا لا يقل أهمية عن دور علم النحو في كشف دلالات القرآن الكريم، وبيان معانيه الدقيقة؛ حيث تأتي البِنْية الصرفية معمقة كاشفة موضحة لدلالات القرآن الكريم، ولعل رسوخ القدم في علم الصرف يكشف لنا عن بعض أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، إذ نجد في مخالفة القاعدة النحوية ، وعدم الجريان على نسقها ووفق متطلباتها باعثا على التفكر فيه، وبيان مناحي الإعجاز في تلك المخالفة، وفي ذلك العدول؛ إذ إننا نجد عددًا من أبنية القرآن الكريم قد وردت في الظاهر مخالفة أصل القاعدة النحوية ، أو الصرفية؛ وذلك لغرض وهدف كبير ولمعنى أراده القرآن الكريم ، لم يكن واضحا لو ورد التركيب على وفاق وأساس القاعدة وقياسها ، وفي هذه السطور سنعرض بعضًا من تلك الصيغ الصرفية التي وردت شديدة الدلالة على المعنى الذي سيقت له ، وهي من حيث الظاهر مخالفة للقياس الصرفي، أو المعيار النحوي ، لكنها وردت في مكانها وسياقها مشخصة تشخيصًا دقيقًا تلك الدلالة التي جاءت لتنهض بما وراءها من مضمون، ولتبرز ما تحتها من دقيق المباني، ورقيق المعاني ، وحتى لا يكون الكلام مرسلا، لا برهان عليه ، نأتي بجملةٍ لا بأس بها من هذه الصيغ وتلك البِنَى لنقف على ما رمت إليه من دلالة، وما تحملتْه من مضمون، هو المضمون المتحدَّث عنه في الآية، وشخصت إليه تمامًا بحيث لو فُصِّلَ عليه ثوبٌ لكان ثوبًا قشيبًا قيد النظر، باعثًا على الاندهاش ومستثيراً للعجب، وسأعرض هنا لعشرة نماذج مختلفة تبين جمال اللفظة، وجلال ورودها على صورتها، وتشكيلها الصوتي والصرفي والدلالي.
النموذج الأول: يقول الله تعالى:”أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا” (الكهف ـ 79)، هنا قد جاءت كلمة (غَصْبًا) بوزن:(فَعْلًا)، وقد أعربها أهل النحو على ثلاثة أوجه الأول: أن تكون حالاً، أي: غاصباً إياها غصباً، والثاني أنها مفعول لأجله، أي لأجل غصبها، وأخذها من أهلها عنوة ظالما إياهم، والثالث أنها مفعول مطلق أي يغصبها غصباً.
وعندما نتوقف عند الإعراب الأول الذي مال إلى كونها حالا منصوبة، وهو الذى نحن بصدد الحديث عنه نجد أن كلمة (غَصْبًا) مصدر، والمصدر جامد، والأصل فى الحال الاشتقاق ، فنقول : جاء محمد فَرِحًا (صفة مشبهة بالفعل)، وعاد زيد ماشيا (اسم فاعل)، وأتى الولد بَسَّامًا في وجه أمه (صيغة مبالغة)، ووقف الرجلُ أرجلَ ما يكون (أفعل تفضيل)، وحضر خالد مكتوف اليدين (اسم مفعول)، وهكذا، فيكون الحال واردًا على إحدى صور الاشتقاق الخمسة المعروفة: اسم الفاعل، أو اسم المفعول، أو صيغ المبالغة، أو أفعل تفضيل، أو الصفة المشبهة، فكيف نوفِّق بين القياس النحوي، والاستعمال القرآني فى هذه البنية الصرفية، أو ذلك الوجه الإعرابي؟ إن الغصب في أصل معناه في اللغة هو أخذ المرء ما ليس له ، ونقرأ في المعاجم: “غَصَبَ الشيءَ غصبًا: أخذه قهرا وظلما، وغصبَ فلانًا على الشيء، قهره، فهو غاصب.
وهذا المعنى المعجمي يلتقي مع المعنى السياقي ، فإذا كانت الحال الأصل فيها الاشتقاق، ووردت فى معرض غصب السفينة، وأخذها قهرا من أصحابها، فإن القاعدة النحوية كذلك غصبت هي الأخرى، وتحولت الحال من اشتقاق إلى جمود، والأصل فيها الاشتقاق، فكأن معنى الغصب وأخذ الشيء قهرا في هذا السياق يلتقى مع أخذ السفينة من أهلها قهْرا، ودون سبب، وبغير حق، فكأنَّ القاعدة النحوية تلاقتْ في صياغتها مع الدلالة القرآنية ، فالغصْبُ حَدَثَ للبِنْية أو للصيغة قبل أن يحدث العيب في الواقع ؛ ليدلَّ بتشكيلة الصيغة وهيئة البنية على ما حدث وراءها من غصب وقهر ، وأخْذ لما ليس للإنسان، ووجدنا هنا كيف تعانقت البنية الصرفية والوجه الإعرابي مع الدلالة القرآنية والمعنى الذى سيقت له تلك البنية ، فهو غصْبٌ للقاعدة النحوية يكشف عن غَصْبِ الملك قهْرا للسفينة الصالحة للصيد ، حيث كان هذا الملكُ الظالم يأخذ كلَّ سفينة صالحة غصبًا من أهلها ، وهم مساكين، لا حول لهم ولا طول، فجاء ذو القرنين لِيُحْدِثَ عيبًا يسيرا فيها ؛ حتى يزهدَ هذا الملك فيها ؛ ومن ثَمَّ فإن الآية قد أبرزت جهلَ هذا الملك ، واهتراءَه وضعفَه الفكريَّ ، حيث جاءت كلماتها كالآتي: )وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا( ليدل على أنه جاهل، متسلط، صُلْبَ المعاملة ، لا يقف أمامه أحدٌ ، ولكنَّ المعربين هم الذين قالوا بحذف النعت ، وقدروه، فقالوا:( أي سفينة صالحة) بسبب السياق، بدليل أنه جاء بعدها:(فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا) ، ولا يحدث عيبٌ لشيء مَّا إلا إذا كان صالحًا، وغيرَ معيب، ولكنَّ كلمات الآية نفسها لم تذكر الصيغة (صالحة) صريحة، وإنما قدّرت ضِمْنيا وفيه كناية عن صلف، وتسلط، وجبروت، وجهل، وكِبْرِ هذا الملك أن يتمم كلامه، أو أن يكون كلاما موزونا ، معتبراً في عالم الكبار أصحاب التعبيرات الدقيقة، وهكذا هم قساةُ القلوب، صلابُ الأفئدة، تراهم لا يحسنون الكلام، ولا يدركون ظلاله، وتبعاته الدلالية، ويحرِّفون الكلام عن مواضعه، كما قال فرعون مثلاً:(وما رب العالمين) مع أن (ما) لغير العاقل ، وكان ـ لو كان بليغا لقال:(ومن رب العالمين)؟ لأن (مَنْ) للعاقل، و(ما) لغير العاقل، قالها جهلا أو كبرا، ولكن الله أعطانا من ذلك وعيا وفكرا: أنه ليست له أي خلفية لغوية، وهو جَهول في فكره، وجهول في نطقه وسلوكه، وتعقيباته، من نحو (لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)، ونحو:(وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)، ونحو:(يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا)، وفى موقف يجب فيه سرعة اتخاذ القرار نجده يتلكأ هنا وهناك، ( وكما نقول في الدارجة يتسكع) في الرد، في الوقت الذي لا وقت فيه، وأنه سيغرَق لا محالة؛ حتى ضاعت منه الفرصة:(حتى إذا أدركه الغرق قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، وكان يمكنه ـ لو كان فهما لبقا:(آمنت بالله)، وكثيرًا ما يقف المتأمل لآيات القرآن الكريم عن شخصية فرعون، أنه شخص ضعيف، لا حول له ولا طول، ولغته ضعيفة، وحجته مائعة كحجته تماماً، وأنه سريع الاتهام، سريع التهديد، والصخب، وعلو الصوت، وكلُّها من صفات الضعفاء، وسِيمَا الجهلاء الذين لا رزانة عندهم، ولا بُعْدَ نظرٍ لهم ، يمتلكونه ، ولا لغةَ يمكنهم من خلالها إدارة حديث مقنع منطقي بَنَّاء.
والنموذج الثاني: من نماذج دقة اختيار البنية الصرفية أو التوجيه النحوي، ودقة مجيئه وفق الدلالة التي سيق لها في الآية، هو قوله تعالى:(وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) و(كِذَّابًا) بكسر الكاف، وتشديد الذال مفتوحة بوزن (فِعَّالًا) هي مصدر للفعل (فَعَّلَ) هو التفعيل، وليس الفِعَّال، ونحو:(وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، ونحو:(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا)، ونحو:(وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) من الفعل:(تَبِّبَ)، بوزن فعَّل، ونحو:(وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا)، وهكذا، لكن القرآن الكريم يعدل عن الصيغة القياسية إلى غيرها ـ وهو لفظ مستعمل كذلك، لكنه يوافق السياق، ويتناغم مع الدلالة التي أرادها القرآن الكريم في هذا الموطن، وفي ذلك الموضع، فكذّابا كما قال عنها العلماء: إنها لغة يمنية، وبعضهم قال: التكذيب لغة أهل الحجاز، وبعضهم فرَّق بين (التكذيب والكِذَّاب)، فقال:” الكِذَّاب هو التكذيب المفرط، وليس مجرد التكذيب فقط، وإنما الزيادة في الكذب، والمبالغة فيه، فعندما نقول: فلان يكذب كِذَّابا ، ويقضي قِضَّاء، أو يفسِّر فِسَّارا فيعني ذلك أن فيه إفراطا في ذلك، فهو قد أفرط في الكذب، وليس كذبه كأي كذب؛ ومن ثم فهو أفرط في ذلك، ووزن (فِعَّال) من أوزان المبالغة، وهو مفعول مطلق، تقديره:(وكذبوا بآياتنا تكذيبا)، والشاهد هنا هو أن فعَّل مصدرة التفعيل، كما سبق، ولكن القرآن الكريم اختار الوزن الثاني الذي ليس بمصدر قياسي، كأن الكلمة بتنكُّبها المصدر القياسي قد تلبست واتشحت بثياب ووشاح الكذب المبالغ فيه؛ لتدل على سياقها الذي وردت فيه، وهو الكذب الضارب في الكذب، فجاءت الصيغة لابسة ثوب الكذب ببعدها عن مصدرها المعتاد والأساس، وكأنها جزء من دلالتها، وصورة مما جاءت لتبينه وتوضحه، وتكشف عنه، فهي صيغة متفقة مع دلالتها وما جاءت له، فوافق السياق بنية الكلمة وتشكيلتها الصوتية.
والنموذج الثالث: قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (البقرة ـ 264).
فكلمة (رئاء الناس) مفعول لأجله، وكأنها خالفت ما عليه الصيغة التي نعرفها جميعا، وهي (الرياء)، غير أن الرئاء هي أصل بنية الكلمة قبل تخفيف همزتها، فأصلها من الفعل (رأى) بهمزة مقابلة لعين الميزان، فأصلها (رئاء) الهمزة الأولى هي عين الكلمة، والهمزة الأخيرة مبدلة من ياء لوقوعها متطرفة قبل إثر ألف زائدة، فالأصل فيها:(رئاء) إلا أنه تحقيقا لمدلولها ولُبْسًا لثوب ليس لها خففت الهمزة، فحذفت همزتها الأولى (رياء) بياء بدل الهمزة، وكأنها راءت، وارتدت ثوبَ غيرها، كما قال الشاعر أبو ذؤيب:
ثوبُ الرياءِ يشف عما تحته

د. جمال عبد العزيز أحمد
فإذا التحفت به فإنك عاري
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى