الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (20)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (20)

لقد تحدثنا عن أهم عنصر مشترك في الخطاب القراني للإنسان، وهو عصر العقل، وهو يعتبر المعتمد الاساسي في كل حواراته وخطاباته، وفي تفهيمه لما يحمله من المعارف اللامتناهية الى الإنسان.
ولذا يصطلح بعض الاعلام على مثل هذا الخطاب القراني بالخطاب الحضاري، وهي بنفسه يفتح بابا من ابواب معاني هذا التوصيف ..
فمن الابواب التي تندرج تحت مظلة الخطاب الحضاري للقران الكريم الآتي:اولاً: باب الحد الزماني، ثانياً: باب الحد المكاني، ثالثاً: باب الحد النوعي، رابعاً: باب الحد الكمي.
فماذا نعني بهذه الابواب الحضارية في الخطاب القرآني؟ فنقول في الجواب على هذا التساؤل … لنتحدث عن الباب الأول .. وهو الحد الزماني.
اننا نعلم جيداً ان الانسان كائن سلمي يصعد من زمان دان في مكوناته المادية الى زمان عال في هذه المكونات .. وخلال تقدمه وتطوره نجد العقل البشري مكتسباً التجارب الجديدة ما يضفي على معارفه مجموعة من آليات التعامل مع المحيط والواقع تحقيقا لما تطلبه فطرته وهو الكمال والحضارة.
والقرآن الكريم بوصفه خاتم الكتب لخاتم الرسالات يفترض فيه انه قادر على استيعاب التجربة البشرية بكل تفاصيلها، والتي منها هذا التدرج الزماني للانسان من حال الى حال، اجل ان القرآن الكريم يحمل خاصية مواكبة الازمنة مهما بلغت من التطور .. وان استيعابها يعني ان القرآن الكريم في اياته وسوره يحمل مكونات المواكبة للتطور الزماني .. ليحل ما قد يعانيه هذا الانسان من مشاكله التي يصنعها كل زمن مختلفا عما صنعه الزمن السابق.
وهذا يعني ان القرآن الكريم يحمل في ذاته وصميم تركيبته عنصر الخطاب الذي يتجاوز هذا الابعاد الزمانية مهما تنوعت ومهما تطورت ومهما تغيرت.
واما على مستوى الباب الثاني وهو مستوى باب الحد المكاني .. فان الزمان الواحد يحوي على عدو امكان، وهي في الوقت نفسه تتفاوت في مستويات التفكير والسلوك فان القران الكريم يملك خاصية الحوار والخطاب متجاوزاً البعد المكاني ايضاً، فهو كتاب يحمل القدرة على التخاطب التعددي الفكري والسلوكي في آنٍ واحد.
واما على مستوى الحد النوعي فان من اهم ما يقدمه القرآن الكريم في اياته وسوره هو تقديم ما لديه من المعارف التي تحمل مشروع تحقيق الحضارة الانسانية ولتحقيق سعادته الى الانسان، اذ ان هذه المعارف القرانية تختلف عما لدى الانسان من المعارف المختلفة في الجانب النوعي.
فهي معارف تغلب في زمان ومكان كل المعارف الإنسانية، وبكل ما لدى الانسان من قدرات فكريه معرفية ثقافية، وهذا التقدم النوعي للقران الكريم هو الذي يضعه دائماً وابداً في المقدمة وعلى المستويات المعرفية، وفي كل زمان ومكان، ولعل من ابرز الايات القرانية الكريمة التي تحمل مثل هذا الخطاب النوعي الفريد لمعارفة النوعية الفريدة هو قوله تعالى:(قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة ـ 111).
فان القرآن الكريم لا يريد ان يقول ان هاتوا برهانكم في البلاغة فقط، او في اللغة فقط، بل انه لما ان اطلقت الايات هذا التحدي، فان مفاد الاطلاق هو العموم والشمول، وهذا يعني ان هذا التحدي القراني لهو تحد يتجاوز كل ابعاد الزمان والمكان والنوعي المعرفي لدى الانسان ، ليضع نفسه دائماً وابداً هو الافضل في عالم المعارف الانسانية كلها وعلى الاطلاق.
فيمكن القول ان الآية المباركة .. (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة ـ 111) هو تقديم للانسان بأن ما يحمله القرآن الكريم من المعارف في التربية لا تدانيها اي معرفة او مدرسة تربوية في قوته وفي نوعيتها الفريدة.
وان ما يحمله القرآن الكريم من المعارف على مستوى الاقتصاد لا تدانيها معرفة ولا مدرسة اقتصادية في النوعية الفريدة.
وان ما يحمله القرآن الكريم من معارف على مستوى الفلسفة والفكر والثقافة وسائر ما يقع في طريق تحقيق سعادته وحضارته لهو فريد من نوعه وباعلى المستويات .. فالقرآن الكريم في خطابه الحضاري يتجاوز كل تلكم الابعاد والحدود.
واما على مستوى الحد الكمي فان ابسط ما يمكن ان يقال في كمية المعلومات القرآنية التي في اياته وسورة هو: انها معارف لا متناهية .. اي ليس لها نهاية في العطاء .. والسبب واضح .. وهو لانه معارف تستمد من الذات الالهية، والكل يعلم والعقل انتهى الى هذه الحقيقة وهي .. ان معارف الله تبارك وتعالى لا متناهية .. والقرآن الكريم رشحة من رشحات تجلياته المباركة .. فما في القرآن الكريم من المعارف لهي معارف لا متناهية.
وان هذه الا تناهي غير مرتبط بزمان او مكان، بل هو يشمل كل الازمنة والامكنة، ولعله هذه السبب الذي يجعل القرآن الكريم قادراً على استيعاب كل ما في كل زمان وفي كل مكان، وقادرا على معالجة الوضع الانساني، وقادرا على تقديم الاطروحات التي يقود الانسان الى حضارته وسعادته اللامتناهية التي يبحث عنها منذ القدم.

فهنا ننتهي الى هذه النتيجة الجميلة وهي ان القرآن الكريم في وصفه الخطابي بأنه شمولي واستيعابي حضاري ليقدم نفسه على انه يحمل لغة خطاب تستطيع التحاور مع الجميع، وبكل طباقتهم، وبكل مستوياتهم واطيافهم وقابلياتهم وقدراتهم ، لانه وبكل بساطة كتاب الله تبارك وتعالى .. ومن الجدير ان يكون مثل هذه الكتاب العظيم بمثل هذا الوصف العظيم.
ولما ان نرجع الى هذه اللغة الشمولية الاستيعابية للقرآن الكريم في خطابه وتحاوره سنجدها تتمحور حول مفتاح مهم من مفاتيح فهم القرآن الكريم وهو:(العقل)، اذ نجد ان العنصر المشترك في كل زمان وفي مكان لدى كل انسان مهما تنوعت الجنسية واختلف السلوك وتعددت الثقافة هو امر واحد وهو عنصر العقل.

هلال اللواتي
نعم يبقى السؤال هنا هو .. كيف يتمكن القرآن الكريم من التحاور العقلي مع كل الاطياف والطبقات مع ملاحظة الزمان والمكان اللذان يعدان متحركين غير ثابتين ابداً) .. هذا ما سوف نتعرف عليه ان شاء الله تعالى في الحلقة القادمة.

إلى الأعلى