الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. الإحسان (3)

من صفات المتقين .. الإحسان (3)

أيها القراء الكرام: بعد ان ذكرنا في المقال السابق لحضراتكم مرتب الإحسان في مقال اليوم نذكر لكم ثمرات الإحسان وفوائده فأقول إن فوائد الإحسان وعمله والمسارعة فيه كثيرة منهاما يلي:
اعتبر الله تعالى عمل الخير والمسابقة إليه من صفات المؤمنين المتّقين (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) فالمسلم المتّقي لربّه حريص على اغتنام فرص عمل الخير في الحياة، لما يعلم من فوائدها الجمّة الكثيرة، ومن هذه الفوائد: رضا الله سبحانه، إنّ أهمّ فائدة لعمل الخير والمعروف هي أنّها ترفع درجات المؤمن وتقرّبه إلى ربّه تعالى، ففاعل الخير يستزيد من الحسنات، وهذا يقرّبه من رضا ربّه والجنّة. عمل الخير والمعروف يجعل الإنسان يكسب قلوب العباد ومحبّتهم، فلعمل المعروف والخير أثرٌ عجيب في نفس الإنسان الّذي يتلقّاه، وكما قال الشّافعي رحمه الله:
أحسن إلى النّاس تستعبد قلوبهم
فلطالما استعبد الإنسان إحسان
عمل الخير والمعروف يغرس قيم المحبّة والتّكافل والتّعاضد بين النّاس، فحين ترى الإنسان يمشي في حاجة أخيه ترى معاني الأخوّة والمحبّة متأصّلةً في المجتمع يفوح عطرها أريجًا في أوصال المجتمع، فترى الإنسان يحبّ أخيه الإنسان، وترى النّاس يعيشون بعيدًا عن معاني الكراهية والبغض والشّحناء. عمل الخير والمعروف يوثّق عرى المجتمع ويقوّيها، ففي الحديث الشّريف المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى؛ فالمسلم دائمًا يشعر بحاجة أخيه المسلم وتراه يسارع لتلبيتها وقضائها من دون سؤال، وهذا بلا شك يجعل المجتمع الإسلامي كجسدٍ واحد وبنيان مرصوص . عمل الخير والمعروف يساهم في الأمن الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي، فحين ترى النّاس يتكافلون بينهم ويتصدّقون على فقيرهم ويسدّون دين مدينهم ويفرّجون همّ مكروبهم فإنّ المجتمع يستشعر معاني الأمان الاجتماعي، فلا يقلق أحد إذا حلّت به مصيبة من مصائب الدّنيا؛ لأنّه يعلم بأنّه يعيش في مجتمع متكافل متراحم لا ينساه ولا يتركه، وتساهم صناديق الزّكاة التي تعتمد على أموال المحسنين في سدّ حاجات المعوزين وتأمين الحياة الكريمة لهم . عمل الخير والمعروف هو سبب بقاء الأمم والحضارات وسبب رئيسي في دوامها، فحين ترى الخير والمعروف في المجتمع ترى الرقيّ والتّقدم، وحين تغيب تلك المعاني يحلّ الفقر والبأس وتضيع الأمم والدّول وتتلاشى.وعلي كل :
فللإحْسَان ثمرة عظيمة تتجلَّى في تماسك بنيان المجتمع، وحمايته مِن الخراب والتَّهلكة ووقايته مِن الآفات الاجتماعيَّة.
المحسن يكون في معيَّة الله عزَّ وجلَّ، ومَن كان الله معه فإنَّه لا يخاف بأسًا ولا رهقًا، والمحسن يكتسب بإحسانه محبَّة الله عزَّ وجلَّ، للمحسنين أجر عظيم في الآخرة حيث يكونون في مأمن مِن الخوف والحزن، المحسن قريب مِن رحمة الله عزَّ وجلَّ.
الإحْسَان هو وسيلة المجتمع للرُّقي والتَّقدُّم، وإذا كان صنوه، أي: العدل وسيلة لحفظ النَّوع البَشَريِّ فإنَّ الإحْسَان هو وسيلة تقدمه ورقيِّه؛ لأنَّه يؤدِّي إلى توثيق الرَّوابط وتوفير التَّعاون، الإحْسَان وسيلة لإزالة ما في النُّفوس مِن الكدر وسوء الفهم وسوء الظَّنِّ ونحو ذلك، الإحْسَان في عبادة الخالق يمنع عن المعاصي.
قال ابن القيِّم:(فإنَّ الإحْسَان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي، فإنَّ مَن عبد الله كأنَّه يراه، لم يكن كذلك إلَّا لاستيلاء ذكره ومحبَّته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنَّه يشاهده، وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلًا عن مواقعتها، فإذا خرج مِن دائرة الإحْسَان، فاته صحبة رفقته الخاصَّة، وعيشهم الهنيء، ونعيمهم التَّام، فإن أراد الله به خيرًا أقرَّه في دائرة عموم المؤمنين).
الإحْسَان إلى النَّاس سببٌ مِن أسباب انشراح الصَّدر:الذي يحسن إلى النَّاس ينشرح صدره، ويشعر بالرَّاحة النَّفسيَّة، وقد ذكر ابن القيِّم في (زاد المعاد) أن الإحْسَان مِن أسباب انشراح الصَّدر، فقال:(.. إنَّ الكريم المحسن أشرح النَّاس صدرًا، وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا، والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق النَّاس صدرًا، وأنكدهم عيشًا، وأعظمهم همًّا وغمًّا) الإحْسَان إلى النَّاس يطفئ نار الحاسد.
إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحْسَان إليه، فكلَّما ازداد أذًى وشرًّا وبغيًا وحسدًا ازددت إليه إحسانًا، وله نصيحةً، وعليه شفقةً، وما أظنُّك تصدِّق بأنَّ هذا يكون، فضلًا عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قوله عزَّ وجلَّ:(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصِّلت 34 ـ 36)، وقال:(أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (القصص ـ 54)، هذا مع أنَّه لا بدَّ له مع عدوِّه وحاسده مِن إحدى حالتين، إمَّا أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذلُّ له، ويبقى مِن أحبِّ النَّاس إليه، وإمَّا أن يفتِّت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه، فإنَّه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ومَن جرَّب هذا عرفه حقَّ المعرفة، والله هو الموفق المعين بيده الخير كلِّه فنسأله أن يوفقنا إلي الإحسان وأن يجعلنا من أهله إنه سميع مجيب.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى