الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

محمد بن سيف الشعيلي

الحلقة (5) المقاصد في العشر الأواخر من رمضان
نتفيأ هذه الأيام بركات ونفحات ليالي عظيمة، ومواسم نفيسة، فاز فيها المشمرون، واطمأن بها العابدون المصابرون، إنها أيام وليالي العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم؛ حيث بها من الأسرار العظيمة ما لا يعلمها إلا الله جل في علاه، ولنا هنا وقفة مقاصدية نلتمس من خلالها أهم المعاني والحكم المرادة من نصوص السنة المطهرة الواردة في فضل هذه الأيام المباركات؛ حيث وردت مشروعية الاعتكاف في هذه العشر، فهو من مستحبات هذا الشهر الفضيل، وهو أمر استقر عليه عمله – صلى الله عليه وسلم -؛ قالت عائشة – رضي الله عنها -:(إن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده)، فمراد النص ودلالته الجد والاجتهاد في هذه الأيام؛ لأن الاعتكاف مظنة وجود الخير والفلاح بالمصابرة على العمل الصالح من الصلاة، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتصدّق في سبيل الله، والإنفاق في وجوه البر، والسعي لكسب الحسنات، والانقطاع عن الدنيا وملذاتها، والبعد عن النساء والأولاد؛ بغية القرب من المولى جل في علاه. وهذه المقاصد كلها تدرك من خلال ما يلازمه ويصابره المعتكف في المسجد، فهو يتفرّغ تفرغا بدنيا وروحيا للحياة الإيمانية، ويتعرض تعرضا مباشرا للنفحات الروحية، التي يجد لذتها في القيام، وتلاوة القرآن، والصبر على الصلاة، وصنوف الأعمال المقربات. كما جاءت النصوص الأخرى في فضل هذه الأيام ومنهجه – صلى الله عليه وسلم – بها بقول السيدة عائشة – رضي الله عنها -:(كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر)، وفي رواية أخرى:(كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره). يشير النص إلى تحقيق مقاصد وغايات هذه العشر من خلال شحذ الهمم، ومصابرة ومجاهدة النفس على القيام والتهجد لرب الأنام، وذلك بإحياء الليل بعبادة الله من صلاة، وتلاوة للقرآن، وإلحاح بالدعاء لرب الأرض والسماء. كذلك لا ينس الإنسان أهله وأولاده، فيسعى لإيقاظهم والأخذ بأيديهم للقيام للعبادة، والصلاة، والتهجد في الليل؛ لأن المسلم مسؤول عن أهله، فهم رعيته، ومن حق الرعية على الراعي السعي لما يسعدهم ويقودهم إلى حسن المصير، ويعينهم على العمل بالتشمير، يقول تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)”التحريم/6″ ويقول – صلى الله عليه وسلم -:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، فالكل سيسأل عمّن استرعي إياه. وذلك مقصد أصيل عنته نصوص الشريعة الماثلة أمامنا، وأرداه المولى لعباده وخلقه، فهو أنزل كتبه، وأرسل رسله؛ مصلحة للناس، وإقامة للحجة عليهم يوم القيامة، مصداقا لمدلول قوله تعالى: (رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)”النساء/165″ وقال – جلّ في علاه -:(لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)”طه/134″، وإن أفضل المواسم لتحقيق المصالح الدنيوية والأخروية شهر رمضان، وأفضل ما فيه من أيام عشره الأخيرة، حيث التشجيع على العمل الجماعي للطاعة والعبادة، فالكل يسابق غيره للتصدّق والإنفاق، والتفرّغ لأداء الصالحات من الأعمال. ولعل من أبرز ما أرداته ألفاظ النصوص النبوية السابقة – أيضا – من البيان والأحكام والأسرار المترتبة على شدّ المئزر المفسر عند بعض أهل العلم باعتزال النساء، التوضيح والتلميح لمكامن الفرص الربانية المضمنة في أواخر رمضان، ففيها ليلة القدر، التي يأتي الحديث عن مقاصدها في الحلقة القادمة – بمشيئة الله تعالى -، فقد أخفيت عن التحديد حتى لا يتراخى الناس في غيرها عن الجد والتشمير للعبادة، ولذلك شرع وسنّ الاعتكاف بهذه الأيام؛ ليضمن المجتهد جزيل العطاء والثواب، على مصابرته ومجاهدته لنفسه وشهواته المتمثلة في بعده عن أهله، وتركه الأسواق وملذات الحياة الدنيا؛ طمعا في التميّز والنجاح والفلاح بمصادفة هذه الليلة المباركة. كما إن من المقاصد التي تلمس من التركيز على خيريّة هذه العشر الأواخر، تهيئة النفوس للعمل الدؤوب والمستمر بعد رمضان، والتكنّي لبيان أن أواخر الأعمال هي خير الأيام في هذه الحياة الدنيا، ولذلك ورد في الدعاء: (اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك، وخير أعمالنا خواتيمها). فخواتيم الأعمال مطلوبة في آخر الأيام والأعمار والأزمان، فعلينا أيها الأحبة – هداني الله وإياكم – أن نعي نصوص ديننا، وأن نعرف مقاصد أعمالنا، ونحقق خيرات أفعالنا بأواخر أيامنا. وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئة المولى – أستودعكم الله حلا وترحالا.

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي

إلى الأعلى