الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الضجة المفتعلة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

الضجة المفتعلة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

السيد عبد العليم

” رأى البريطانيون من انصار الخروج من الاتحاد الاوروبي ان هذا الاتحاد يمثل قيدا لهم ولبلادهم حيث يسويهم بداية بالتشيك والبولنديين وغيرهم من بلدان شرق اوروبا وبشكل يجعل هؤلاء وغيرهم يغزون بلدهم بتقاليدهم وثقافاتهم وبشكل يؤثر من ناحية اخرى على فرص العمل المتاحة امام المواطن البريطاني ولاسيما مع تراجع النمو الاقتصادي.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

مثل التصويت لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي في الاستفتاء بشأن بقائها او خروجها من الاتحاد دويا كبيرا في كثير من البلدان. وبطبيعة الحال فهو أمر مهم، لكنه ليس بتلك الاهمية التي تجعل البعض يسرح بخياله بعيدا والتفكير في وجود مردود لذلك الخروج على الداخل في السلطنة وغيرها بشكل جعل البعض يذكر ان ذلك الخروج سوف يؤثر على الاستثمارات ويمكن ان يؤدي الى خروجها من السوق العماني. ومع ان الفكرة الاساسية ان السلطنة كما هو حال كثير من بلدان العالم لها علاقاتها التاريخية والثقافية وغيرها مع بريطانيا، لكن تلك العلاقات لا تتأثر بكون بريطانيا داخل الاتحاد الاوروبي او خارجه، فهذا امر يخص البريطانيين وهم ادرى بمصلحتهم. وكذلك محاولة البعض ربط خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بخروج السلطنة من مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهو استنتاج واهم ومضلل ولا أساس له. والملاحظ ان ثمة تهويلا كبيرا في مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. فقد انضمت بريطانيا الى الاتحاد في هدوء تام وخرجت بضجة كبرى ربما تكون مفتعلة في كثير من الجوانب.
بداية ان بريطانيا لم تنخرط بشكل كافي في الاتحاد الاوروبي. وذلك لان لها ميراثها التاريخي التي كانت خلاله بريطانيا العظمى الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كما كانت توصف، بذلك لاحتلالها كثيرا من بلدان العالم في اغلب القارات. فقد احتلت بلدانا في افريقيا واسيا وكان للانجليز دور كبير في اميركا واستراليا حتى هيمنت اللغة الانجليزية على تلك البلدان. اي ان البريطانيين ينظرون الى انفسهم على انهم كانوا اسيادا وما زال لديهم القدرة على الحركة والتقدم الصناعي والتقني الذي يفخرون به.
كما ان الانجليز بشكل عام دائما ما يشعرون بالتميز وعدم الاندماج مع اوروبا. فبلدهم عبارة عن جزيرة تقع شمال غرب القارة الأوروبية يحيط بها بحر الشمال والقنال الإنجليزي والمحيط الأطلسي، أي أنهم من حيث الموقع خارج القارة العجوز. وهم لم يلمسوا ولا يشعرون بشكل كبير بانهم جزء من تلك القارة.
وحتى عندما دخلوا الاتحاد الاوروبي، ابقوا على عملتهم الجنيه الاسترليني ولم ينحوه جانبا ويتبنوا اليورو على غرار ما فعلت فرنسا بتخليها عن الفرانك والمانيا بتخليها عن المارك واستخدام اليورو على سبيل المثال. بل ظلت بريطانيا متمسكة بعملتها لتعلن تميزها المالي.
وقد جاء قرار الخروج الاخير من الاتحاد بناء على رغبة شعبية بين البريطانيين على عكس ما كان يدعو ويطمح اليه الساسة الذين سعوا جاهدين وخاصة اعضاء حكومة ديفيد كاميرون لاقناع البريطانيين بالبقاء ضمن الاتحاد والضغط بكل السبل للسير في هذا الاتجاه بما في ذلك الضغط بزياد الضرائب. ومع ذلك فقد فكر المواطن البريطاني وقارن وحلل وتوصل الى قراره بان مصلحته هي كما ذهب البعض منهم في التحرر ونيل الاستقلال الحقيقي بعيدا عن اوروبا ومشاكلها واوجاعها وسياساتها وتعقيداتها. وهنا كان الحسم رهن برأي ذلك المواطن الذي سلمت له الحكومة واوروبا والدنيا كلها.
فقد رأى البريطانيون من انصار الخروج من الاتحاد الاوروبي ان هذا الاتحاد يمثل قيدا لهم ولبلادهم حيث يسويهم بداية بالتشيك والبولنديين وغيرهم من بلدان شرق اوروبا وبشكل يجعل هؤلاء وغيرهم يغزون بلدهم بتقاليدهم وثقافاتهم وبشكل يؤثر من ناحية اخرى على فرص العمل المتاحة امام المواطن البريطاني ولاسيما مع تراجع النمو الاقتصادي. وطالما كان هناك انقسام اوروبي بين الغرب المتقدم المتطور المتمدين وبين الشرق المتخلف وغير المتحضر ولا تزال تلك الرؤية قائمة بشكل او اخر سيما بين البريطانيين الاصليين.
ثم ان الاقتصاد البريطاني بدخوله الاتحاد الاوروبي لم يحقق قفزات اقتصادية كما كان يؤمل وكما كان يتوقعه الكثيرون. بل انه وجد نفسه مقيدا بسياسات اقتصادية ومالية لم يعتد عليها، تتمثل في الالزام بتقديم المساعدات لبلدان تعاني من مشاكل مالية وهيكلية اساسية مثل اليونان وغيرها فضلا عن تراجع معدل النمو الاقتصادي في البلدان الكبرى داخل الاتحاد. فقد استاء كثير من البريطانيين من تحويل جزء من اموال الضرائب التي يدفعها المواطن العادي الى بلدان اخرى يتهمون سكانها بالكسل والغباء ويتهمون حكومتها بالاسراف والفساد وسوء الادارة بشكل رأوا أن مثل هذا الامر انما يمثل عقوبة لهم وهو امر طالما تبرموا منهم ونفروا منه.
كما ان البريطانيين ادركوا ان الثقل الكبير في الاقتصاد والسياسة الاوروبية يتمثل في برلين وباريس وانهما الاساس وراء اغلب السياسات والقرارات في الاتحاد بشكل لا يتوافق في كثير من احواله مع التطلعات والنفسية البريطانية.
كما ان بلدان الاتحاد الاوروبي متفاوتة فيما بينها بشكل كبير. فهناك القليل منها يتمتع باستقرار سياسي واقتصادي ومالي وامني، بينما يعاني الكثير منها من عدم استقرار مالي واقتصادي. وان الاتحاد قد توسع بشكل مفرط، وبدا في السنوات الاخيرة ان غايته هي التوسع من اجل التوسع. أي النظر الى الكم على حساب الكيف. مع أنه لابد من وجود ركائز ومحددات اساسية تجمع مثل تلك الشعوب وليس فكرة او شعار انها اوروبية فقط هو الكفيل بتوحيدها.
فضلا عن ذلك فانه على الصعيد السياسي، كيف تتوافق سياسة بريطانيا الخارجية مع سياسة التشيك او صربيا او غيرهم؟ فبريطانيا ما زالت تستشعر دور القوة العظمى وتريد ان تكون حرة في سياستها الخارجية وسيدة قرارها وليس قرارها مقيد او رهينة بما يتم الاتفاق عليه في بروكسل بحيث ربما يعلو صوت دولة صغيرة وضعيفة في الاتحاد على صوتها وغير ذلك.
اي ان الاتحاد لا يمثل في النهاية بلدان منسجمة مع بعضها ثقافيا، فلكل شعب خصوصيته الثقافية التي ربما تختلف تماما عن الاخر فثمة اختلاف لغة وعرقيات ومذاهب دينية وحتى المآكولات فلكل بلد مأكولاتها الخاصة مثل البيتزا الايطالي والخبز والكرواسون الفرنسي بشكل ربما لا يجعلها تندمج او تتكامل مع بعضها والتاريخ والجغرافيا التي تجمعها اغلبها كان صراعات وحروب أسفرت عن مقتل الملايين كما كان الحال في الحربين العالميتين.
فكل ذلك وغيره ربما كان حاضرا بقوة في عقلية البريطانيين الذين عزموا على التصويت بلا للاتحاد الاوروبي. ولعل رأيهم هذا يمثل تنبيها لاعادة النظر ودراسة وسائل واليات الاتحاد الاوروبي الذي تعرض لتحديات قوية في السنوات الاخيرة ولاسيما على صعيد الاداء الاقتصادي والهجرة والتعاطي مع قضايا المنطقة العربية. فلعل ذلك يمثل صرخة تنبيه، اذا ليس النجاح في وضع كثير من البلدان تحت مظلة واحدة مع وجود تباينات كثيرة بينها على كافة الاصعدة بشكل سرعان ما يؤدي الى تبرم وتفلت تلك البلدان وخروجها من تلك المظلة. وذلك لانه لم يتم التفكير الجدي المتروي فيما يجمع تلك البلدان واعطائها المراحل الكافية حتى تنضج في النهاية فكرة الوحدة او الاتحاد وغير ذلك. لانه كما ذكرنا فان الدخول في تلك التجمعات الوحدوية غالبا ما يكون بهدوء ولكن الخروج غالبا ما تصحبه زفة وضجة كبيرة.

إلى الأعلى