الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع ك التحالف التركي الإسرائيلي .. لماذا إعادة إشهاره سريعا؟

شراع ك التحالف التركي الإسرائيلي .. لماذا إعادة إشهاره سريعا؟

خميس التوبي

من العاصمة الإيطالية روما أعلنت كل من أنقرة وتل أبيب عن التطبيع الكامل لعلاقات التحالف بعد ما قيل ويقال إنها توترت على خلفية العدوان الإرهابي الصهيوني على السفينة التركية “مافي مرمرة”. ولا ريب أن إشهار إعادة الدفء إلى علاقات التحالف بهذه الصورة السريعة واللافتة لم يكن مفاجئًا أو غير متوقع؛ لأن العلاقات كانت قائمة بالأساس من فوق الطاولة ومن تحتها، والتنسيق قائم على أكمل وجه، خاصة فيما يتعلق بملفي سوريا والعراق، وتنسيق الجهود العدوانية لإسقاط الدولة السورية تنفيذًا لأهداف كيان الاحتلال الصهيوني وخدمة لمصالحه، وتحقيقًا للأحلام بإعادة أطماع الدولة العثمانية في المنطقة والتهام العواصم والمدن العربية وفي مقدمتها مدينتا حلب والموصل. وما تجدر ملاحظته هنا هو أن ترتيبات إعلان هذا الإشهار سبقتها لقاءات بين المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وبين عرَّاب الاحتلال ومشاريع التطبيع والتخريب في المنطقة جون كيري وزير الخارجية الأميركي في العاصمة الإيطالية ذاتها.
وشروط الاتفاق تتضمن بقاء الحصار على قطاع غزة وتنازل أنقرة عن مطلب رفعه، مقابل تمرير المساعدات التركية عبر منفذ “أشدود” الذي تشرف عليه أجهزة الأمن الإسرائيلية، وستقوم تركيا، في إطار الاتفاق، بتأمين دخول المواد التي تستخدم لأغراض مدنية إلى قطاع غزة، وضمنها المساعدات الإنسانية، والاستثمار في البنية التحتية في القطاع، وبناء مساكن لأهاليه، وتجهيز مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الذي تبلغ سعته 200 سرير، وافتتاحه في أسرع وقت. وبالاتفاق ذاته أصبحت تركيا ـ إردوغان مسؤولة عن التزام حركة حماس بأن لا تقوم بأي عمل مقاوم ضد الاحتلال الصهيوني، مقابل تنازل كيان الاحتلال الصهيوني عن الطلب من تركيا إبعاد قيادة الحركة عن الأراضي التركية. كما يلتزم كيان الاحتلال بدفع عشرين مليون دولار تعويضات لعائلات ضحايا سفينة “مافي مرمرة” مقابل تنازل تركيا عن كافة القضايا المرفوعة ضد جنود الاحتلال وقيادات جيشه المجرمين. وللعلم أن هذا الاتفاق قد سبقه أيضًا لقاءان الأول بين رئيس الموساد الإسرائيلي ونظيره التركي لبحث دور حركة حماس المقاوم ومستقبلها، تزامن مع لقاء بين الرئيس رجب طيب إردوغان وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة لوضع الأخير في صورة متطلبات الاتفاق ليس على مستوى فلسطين ومستقبل حركة حماس فحسب، وإنما على مستوى المنطقة والإقليم وربما الدولي.
تركيًّا، ينظر إلى هذا الاتفاق على أن حكام تركيا وحزب العدالة والتنمية يهدفون من ورائه إلى كسر العزلة الدولية والإقليمية التي تسببوا فيها جراء نظرية “صفر مشاكل” التي جرت كارثة “صفر علاقات”، إلا أن هناك أحداثًا تزامنت مع هذا الاتفاق مثلما سبقته وأعقبته، قد تعطي مدلولات إعادة إشهار دفء التحالف بهذه الصورة السريعة واللافتة، ومن بين هذه الأحداث:
أولًا: إطلاق الجيش العربي السوري وحلفائه معركة تحرير حلب، حيث أكد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله عن أن هناك حشودًا ضخمة على الحدود التركية يسعى جامعوها إلى سلب حلب وسلخها عن سوريا، معلنًا عن زيادة مقاتلي الحزب في حلب، وداعيًا الحلفاء إلى مضاعفة وجودهم دفاعًا عن سوريا ومن حلب حيث عدَّها المعركة فيها الأهم استراتيجيًّا في المنطقة وهي التي ستحدد مصير المشرق، ومستقبل سوريا ووحدتها.
ثانيًا: وهذا مرتبط بما قبله، حيث ذكرت قناة الميادين معلومات ـ من مصادر خاصة كما قالت ـ أن التنظيم الإرهابي المسمى “جبهة النصرة” فرع تنظيم القاعدة في سوريا تلقى شحنة صواريخ مضادة للطيران عبر تركيا، وكما هو معروف أن التنظيم الإرهابي ومن معه من التنظيمات الإرهابية الأخرى المصنفة أميركيًّا بـ”المعتدلة” يتركز وجودها في حلب وإدلب القريبتين من الحدود التركية.
ثالثًا: تقديم أنقرة اعتذارها لعائلات ضحايا المقاتلة “سوخوي 24″ الروسية في أجواء سوريا. ومن الواضح أن هذا الاعتذار هدفه رفع الحظر الروسي عن الطيران الحربي التركي لمعاودة استباحته السيادة السورية، ما يعني مضاعفة حجم التدخل التركي وتأجيج الأوضاع وإشعال نيران الصراع، وتزويد التنظيمات الإرهابية كـ”داعش والنصرة وأحرار الشام” أو ما يسمى “جيش الفتح” بما تحتاجه من دعم إضافي.
رابعًا: التصميم الأميركي على التحالف مع المكون الكردي في شمال سوريا، وإغرائهم بما يسمى كيان فيدرالي خاص بالأكراد، رغم النحيب والتذلل التركي للسيد الأميركي بالتخلي عن الأكراد واستبدال ما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية” بقوات تركية في إطار كذبة محاربة تنظيم “داعش” الإرهابي. والقلق التركي هنا منسوبه آخذ في الارتفاع من احتمال أن تصحو تركيا وقد قام كيان كردي مستقل على حدودها، ما يعزز النعرة الانفصالية الكردية داخل تركيا. كما أن أنقرة باتت تدرك أيضًا أن موسكو تسعى إلى استخدام ورقة الأكراد للانتقام منها على حماقة الاعتداء على المقاتلة السوخوي.
خامسًا: العودة المفاجئة للهجمات الانتحارية الإرهابية في لبنان كما حصل أمس في بلدة القاع حيث المكون المسيحي المراد استهدافه بالتحديد، حيث طبيعة الهجمات واستهداف التجمعات المسيحية توضح الدور الاستخباري الداعم لتنظيم “داعش” الإرهابي الذي تبنى الهجمات والأهداف المراد تحقيقها، والداعمون لهذا التنظيم الإرهابي ليسوا خافين على أحد.
إذًا، الاتفاق التركي ـ الإسرائيلي يتجاوز مسألة كسر العزلة الدولية والإقليمية، ورغبة أنقرة في تنشيط اقتصادها نتيجة العقوبات الروسية، والاستفادة من الغاز الإسرائيلي، سواء في استخدامه داخليًّا أو الاستفادة من عائداته بتكفل تركيا بتوفير مناطق عبور أنابيبه إلى أوروبا؛ لأن هذا المبرر ساقط ومردود عليه بالاعتذار لموسكو ولعائلات ضحايا المقاتلة الروسية الذي سيترتب عليه تدفق الغاز الروسي لتركيا وعودة النشاط السياحي الذي قوامه ملايين الروس، وعودة الأيادي العاملة التركية إلى روسيا وغيرها، خاصة وأن أنقرة وتل أبيب تعلمان يقينًا أن هذا سيثير غضب موسكو من خطوة كهذه تعتبرها إعلان حرب اقتصادية عليها. وبالتالي فإن الاتفاق في مضمونه له أبعاده الخادمة لعلاقة التحالف القائمة أساسًا بين كيان الاحتلال الصهيوني وبين تركيا مهما كان شكل الحكومة فيها وهويتها، وخاصة على الصعيدين السوري والعراقي، والمنطقة بصورة عامة، وبمقتضى هذا الاتفاق/المسرحية فإننا سنرى نتائجه على الأرض في فلسطين بالضغط على حركة حماس لتخليها عن المقاومة والدخول في معسكر المطبعين والمعتدلين، مقابل سيطرتها راهنًا على قطاع غزة الذي ستتكفل أنقرة بتزويده بما يحتاجه، ثم قد يتطور الأمر إلى إعلان دويلة فلسطينية على مساحة القطاع، والأخطر هنا هو أن يتجاوز الاتفاق/المسرحية الضغط على حماس إلى إيقاع الفتنة بين الحركة وحركة الجهاد الإسلامي بما يؤدي إلى مواجهة بينهما، ذلك أن الأخيرة أعلنت رفضها الصلح والتطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، وبالتالي غير معنية بالاتفاق التركي ـ الإسرائيلي. والمقابل الذي تريده أنقرة من تجريد حماس من مقاومتها وتحويلها إلى حمل وديع هو قيام تل أبيب بالضغط على حليفها الأميركي بالتخلي عن دعم الأكراد فيما يخص قيام كيان مستقل أو فيدرالي. أما على مستوى الملف السوري والعراقي فسترتفع وتيرة التنسيق لدعم التنظيمات الإرهابية من أجل استنزاف الدولة السورية والدولة العراقية واستنزاف حلفائهما الصادقين، بما يؤدي إلى إسقاط الحكومة في سوريا ويحول العراق إلى أقاليم طائفية مستقلة، وما الأنباء عن شحنة الصواريخ المضادة للطيران لـ”جبهة النصرة” التي ترضع من ثديي تل أبيب وأنقرة إلا غيض من فيض قادم في هذا السياق.

إلى الأعلى