الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عداوة المنافقين

عداوة المنافقين

إن الله ـ جلّ وعلا ـ صنّف عباده إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين وأنزل في سورة البقرة ثلاث آيات في وصف المؤمنين وآيتان في وصف الكافرين، وثلاث عشرة آية في وصف المنافقين بين فيها أحوالهم وكشف أسرارهم وصور طبائعهم وطريقة تفكيرهم ومنطقهم.
وقد تحدث القرآن عن المنافقين في مواضع كثيرة وفي سور عديدة وأكثر ما تحدث عنهم في سورة التوبة حتى سميت (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين وكشفت أحوالهم وبينت أسرارهم وخططهم وأنزل سبحانه وتعالى سورة بأكملها للمنافقين كشفت أيضا أسرارهم وأساليبهم وبينت شيئاً من خططهم، وسميت سورة (المنافقين) كل هذا لتحذير المجتمع المسلم من خطر هذا العدو الهدام الذي يحاربهم من داخلهم، ويسعى إلى تدميرهم خلسة.
إن من سنة الله الماضية وقدره السابق أن يبتلي عباده المؤمنين بأنواع البلايا، وذلك ليميز الخبيث من الطيب (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (العنكبوت ـ 3)، وليفاوت سبحانه وتعالى بين عباده المؤمنين في الدرجات كل حسب إيمانه وثباته وعمله وإن مما ابتلى به عباده المؤمنين تسلط أعدائهم من الكفرة والمنافقين فما يزال الصراع بين المؤمنين وأعدائهم قائماً حتى قيام الساعة (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (البقرة ـ 120).
وعداوة المنافقين أشد من عداوة الكافرين ذلك أنهم مندسون في الصفوف يعيشون بين ظهرانينا ويتسمون بأسمائنا ويصلون خلف أئمتنا ويطلعون على أسرارنا وهم عاجزون عن إظهار ما يعتقدون فعداوتهم أشد وسلاحهم أمضى ولما كانت عداوة المنافقين أشد وضررهم أعظم وكان المؤمن مأموراً بإحسان الظن وبمعاملة الناس بظواهرهم وأن يكل سرائرهم إلى الله سبحانه وتعالى.
لقد كثرت الآيات التي تخبر المؤمنين بصفات أهل النفاق حتى كان المنافقون يحذرون كلما أضمروا كيدا أن يفضحهم القرآن (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون) (التوبة ـ 64)، لقد وصفهم الله وتعالى في كتابه حتى كان المؤمن يعرفهم بكلامهم (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) (محمد ـ 30).
فمن أوصاف المنافقين في القرآن الكريم أنهم يتخفون خلف دعاوى الإصلاح والإحسان، فإن بالمنافقين من صفاقة الوجه وقلة الحياء ما يجعل الواحد منهم يسعى إلى الفساد بكل حيلة وينقض عرى الإسلام عروة عروة إن استطاع، فإذا قيل له: اتق الله رفع صوته بدعوى الإصلاح قائلاً: إنني أريد خير الأمة وصلاحها وتقدمها وازدهارها فالذين بنوا مسجد الضرار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما ظهر أمرهم وفضحهم القرآن أخذوا يحلفون لرسول الله أنهم ما أرادوا إلا الخير،(وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون) (التوبة ـ 107).
إن من يشيع الفتن في المؤمنين ويحارب تعاليم الدين ويسعى في مسخ الأمة وتغريبها وإشاعة الفاحشة في أبنائها وبناتها منافق ولو صرخ بأعلى صوته أنه مصلح، (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) (البقرة 11 ـ 12).
ومن وصفاتهم التي وصفهم الله تعالى بها أنهم إذا ضاقت بهم الحيل وانكشف أمرهم بادروا إلى الأيمان الكاذبة والدعاوى الفاجرة، فمن يكذب في إسلامه لا يعجزه أن يكذب في يمينه، قال الله سبحانه وتعالى:(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون) (المنافقون ـ 2) وحين انكشف أمر مسجد الضرار فزعوا إلى الأيمان الكاذبة، وحين رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من غزوة تبوك بادر المنافقون رسول الله بالأيمان الكاذبة يستدفعون غضبه، فوقعوا في غضب الله سبحانه وتعالى، (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (التوبة 95 ـ 96).
ومن أخطر أوصاف المنافقين التي وصفهم بها القرآن الكريم أنهم يوالون أعداء الدين والملة وفئة للكفار، يتصلون بهم ويستقبلونهم، ويسعون لتحقيق أهدافهم ومن صفات المنافقين في القرآن الكريم أيضا أن الله سبحانه وتعالى بظلمهم وفسقهم وكفرهم بعد إيمانهم قد طمس بصائرهم وطبع على قلوبهم، فلا تنفعهم المواعظ، قال سبحانه وتعالى:(ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) (المنافقون ـ 3) والطبع هو أن تختم قلوبهم وتغلق فلا تدخلها المواعظ ولا تنفعها الزواجر إن القرآن الذي جعله الله هدى وشفاء للمؤمنين لا يزيد هؤلاء المنافقين إلا كفرا ورجسا قال تعالى:(وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) (التوبة 124 ـ 125).
المنافق يضمر في قلبه كرها وغلا وحقدا للإسلام والمسلمين فالنفاق داء ليس له دواء لأن الله تعالى ختم على قلبه فهو يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر فقد وصفهم القرآن الكريم بأنهم أحسن الناس أجساما وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) (المنافقون ـ 3) هم يؤخرون الصلاة عن وقتها فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ما أكثرهم وهم الأقلون وما أجهلهم وهم المتعالمون:(ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) (التوبة ـ 56).
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى