الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الشرك والاستبداد الديني في المنظور القرآني

الشرك والاستبداد الديني في المنظور القرآني

أولاً: نتناول الشرك قرآنياً، فللشرك معنيان معنى عام ومعنى خاص، المعنى العام هو المعنى اللغوي أي: الندّ والمشاركة، والمعنى الخاص هو المعنى الشرعي أي: القصد باتخاذه إلها آخر واسطة أو يحمل ذات المعية، وأما الأول فنحو قول تعالى:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، ولذا كفار العرب مثلاً يقرون إن الله هو الرب:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، وأما الثاني كعبادة النور، وأنه هو الرب الخالق الذي يهب الخير للناس.
وأما المعنى العام فهو الأكثر ذكراً في القرآن من المعنى الخاص ومن أمثلته:
ـ عبادة الشيطان في قوله:(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا)، مع أنّ آزر وقومه كانوا يعبدون الأصنام، وإنما أضلهم الشيطان بذلك فجعلوه قرينا لله تعالى!.
ـ عبادة الهوى في قوله:(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)، مع أنّ متبع الهوى لا يقول أنا اتخذت هواي ربّاً، ولكنه أطاع هواه في معصيته لربه فعلاً أو تركاً.
ـ عبادة القرين في قوله:(وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ)، مع أنّ الصديق لا يقول البتة عندما يطيع صديقه في معصية الله أنه جعل صديقه ندا لله سبحانه وتعالى.
ـ عبادة الأولياء في قوله:(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، ولا أحد يقول إنّ الأولياء هم أرباب مشاركون مع الله سبحانه!.
ـ عبادة الأحبار والرهبان في قوله:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ..)، والنصارى لا يقولون الأحبار هم الله أو بعض الله ولا الرهبان!.
وعليه ندرك أنّ الشرك في القرآن معناه أوسع ليحذر الإنسان منه، وعليه استخدم حتى في المرويات بالمعنى العام: مثلا من حلف بغير الله فقد أشرك، ومنه: من علّق تميمة فقد أشرك، وهذا واسع لغة.
فالشرك العام يدخل فيه شرك المنصب أو الجنس أو المال أو القوة أو الجاه وغيرها إذا جعلها المخلوق غاية في طغيانه والإفساد في الأرض.
وعليه التفريق الفقهي كان لحكمة وهو ما يترتب عليه من أثر دنيوي، فلا يجوز للمرء أن يشرّك أحداً إلا إذا صرح بالشرك اللفظي وأراد به مجاهرة معبوداً غير الله تعالى، أما في العام فعلمه عند الله، وعلى الإنسان الحذر والتوحيد المطلق لله، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وقدر طاقتها.
هذا بالنسبة للشرك، أما الاستبداد ففي المنظور القرآني أنّ الاستبداد الديني أخطر من الاستبداد السياسي، والذي يكون في كثير من الأحوال وإن غلف بالفصل بين الدين والسياسة إلا أنه المتكأ الذي يتكئ عليه الاستبداد السياسي.
وذلك لأنّ الاستبداد الديني ينقل القضية من قضية بسيطة قابلة للنقاش إلى قضية إلهية غير قابلة للنقاش، ويعتبر المناقش لها معترضا على الله تعالى، وغير مسلم له، لذا اعتبر بعض المفكرين الغربيين أنّ الدين أفيون الشعوب، لِمَا كانت تلعبه الكنيسة من استبداد ديني، وتكريس باسم المقدس للاستبداد السياسي.
سنجد القرآن الكريم يمثل خطا مخالفا للاستبدادين الديني والسياسي، ويرفع القداسة عن رجال الدين إلى النص القرآني الواضح:
الرفع:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
التثبيت:(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
حيث جعل النص القرآني واضحاً ميسراً، وأعطى للحياة البشرية حدّاً واسعاً من التطور العقلي والفكري والعملي بما في ذلك السياسية تحت ظل الثوابت من عدل وحرية ومساواة وقسط وشهادة لله تعالى.
ولكن استطاع الساسة بالاستناد إلى رجال الدين وضع روايات أضيفت إلى النبي تكرس الاستبداد الديني، وتخنق الجمال القرآني في أطر ضيقة مكنت المستبدين من تغيير المنهج القرآني وتحريفه طول التأريخ.

بدر بن سالم العبري

إلى الأعلى