الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (24)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (24)

امتلاك الزاد اللغوي الواسع:
تزوّد الخطيب بأكبر زاد لغوى هو الضمان لاقتداره على تحديد المعانى بدقة، وعلى تصريف الكلام فى كل مجال بدون عائق.
وعلى الخطيب ـ مع ذلك ـ أن يواصل الاطلاع على مختلف الأساليب البيانية الجيّدة، أن يتأمل مواطن الجودة فيها، وأن يعمل على احتذاء أرشقها لفظاً، وأطرفها معنى وأجودها أسلوباً، على أن يكون اهتمامه باللفظ والمعنى على سواء.
قال أبو على الحسن بن رشيق:(اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم ،يضعف بضعفه، ويتقوى بقوته، فإذا سِلمَ المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للّفظ من ذلك أوفر حظ، كالذى يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح) (من كتاب العمدة ج1 ص80).
ويتجاوز فخر الدين الرازى هذا الحدّ فيقول:(الكلام له جسم، وهو اللفظ، وله روح، وهو المعنى، وكما أن الانسان الذى نوّر روحه بالمعرفة ينبغى أن ينّورجسمه بالنظافة، كذلك الكلام، ورب كلمة حكيمة لاتؤثر فى النفوس لركاكة لفظها) .. (من تفسير مفاتح الغيب للرازي ج1)، فأنت ترى أن البيان الرفيع عنده يتمثل فى اللفظ النظيف الأنيق، وفى المعنى الكريم المستنير، لا فى مجرد الصّحة والسلامة، وإذا ارتفع المتكلم إلى هذا المرتقى ،كانت عثراته النّادرة مغتفرة فيه، قال أبو العباس المبرد:(وقد يضطر الشاعرالمفلق،والخطيب المصقع،والكاتب البليغ فيقع في كلام احدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإذا انعطفت عليه جَنْبتَا الكلام غطّتا على عواره وسترتا من شينه) (الكامل للمبرد ج1 ص 14).
وليعلم كل متعاط للخطابة أن الاطلاع على كلام البلغاء، ومواصلة الاستفادة منه، أمرٌ لا يمكن الاستغناء عنه، يقول ابن الأثير فى المثل السائر:(إن فى الاطلاع على أقوال المتقدمين من المنظوم والمنثور فوائد جمة ،لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته فى ذلك، فان هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، وتزكى الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفا ً بها، تصير المعاني التى ذكرت وتعبت في استخراجها كالشئ المنقى بين يديه، يأخذ منه ما أراد، وأيضا فانه إذا كان مطلعا على المعاني المسبوق إليها، قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه ومن المعلوم أن خواطر الناس ـ وأن كانت متفاوته في الجودة والرداءة ـ فان بعضها لا يكون عاليا على بعض أو منحطا عنه الا بشئ يسير) (المثل السائر لابن الأثير ج1 ص 29).
أما الاستفادة من الأسلوب القرآني فهى أجل وأعظم، وميدانها أرحب وأعجب، ذلك لأن أسلوبه العزيز يمتاز بروائح، لا حد لابعادها، ولتوضيح شئ منها، يكفي أن نتأمل في ميزتين عجيبتين فيه، يحدثنا عنهما علمان من أعلام البيان.
أما الميزة الاولى فهي استعماله اللفظ القوى الجزل في مقامات معينه، واستعماله اللفظ اللطيف الرقيق في مقامات أخرى، ويحدثنا عن هذه الميزة ابن الاثير في المثل السائر، مقابلا بين الجزل والرقيق، وعارضا نماذج من استعمالها في الكتاب العزيز، فيقول:(لست أعني بالجزل من الالفاظ أن يكون وحشيا متوعرا، عليه عنْجهية البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متينا على عذوبة في الفم، ولذاذة في السمع، ولذلك لست أعني بالرقيق أن يكون ركيكا سفسافا، وإنما هو اللطيف الرقيق الناعم الملمس.
وسأضرب لك مثالاً للجزل من الالفاظ والرقيق، فاقول: أنظر إلى قوارع الالفاظ عند ذكر الحساب، والعذاب، والميزان، والصراط، وعند ذكر الموت، ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، انك لا ترى شيئاً من وحشى الالفاظ، متوعراً، ثم أنظر إلى ذكر الرحمة، والرأفة، والمغفرة، والملاطفات فى خطاب الانبياء، وخطاب المذنبين، والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فأنك لاترى من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسافاً.
فمثال الأول وهو الجزل من الألفاظ قوله تعالى:(ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقضي بينهم بالحق وهم لايظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون)، (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً، حتى إذا جاؤها فتحت ابوابها، وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم، وينذورونكم لقاء يومكم هذا؟ قالو بلى، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلو أبواب جهنم خالدين فيها، فبئس مثوى المتكبرين ، وسيق الذين اتقو ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتهاسلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين،وقالوا الحمد الله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ، فنعم، اجر العاملين) (الزمر 68 ـ 74).
قال ابن الأثير: فتأمل هذا الآيات المتضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله،وذكر النار والجنة، وانظر هل فيها لفظة الا وهي سهلة مستعذبة، على مابها من الجزالة وكذلك ورد قوله تعالى:(ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون) (الأنعام ـ 94).
ومثال الثاني، وهو الرقيق من الالفاظ ، قوله تعالى في مخاطبة النبي (صلى اللٌه عليه وسلم):(والضحى، واليل إذا سجى، ماودعك ربك وما قلى) .. الى آخر السورة.
وكذلك قوله في ترغيب المسألة:(وإذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان) (البقرة ـ 186)، وهكذا ترى سبيل القرآن في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقة (من كتاب المثل السائر 168 ـ 170).
فالألفاظ الجزلة تتخيل كأشخاص عليه مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين اخلاق ولطافة مزاج، وإذا انعمت نظرك فيما ذكرته لك ههنا، وجدتني قد دللتك على الطريق، وضربت لك امثلة مناسبة (المثل السائر ـ ص 178).
واما الميزة الثانية التي استاثر بها الاسلوب القرآني فهي الابداع العجيب في انتقاله من فن إلى فن بمنتهى السلاسة والطرافة، بحيث لايشعر المرء بانتقاله من فن الا حالما يندمج في فن آخر، ويحدثنا عن هذا الميزة الرائعة سماحة الشيخ محمد الطاهربن عاشور رحمة الٌله صاحب كتاب التحرير والتنوير فيقول:(ومن أساليبه ما أسميه بالتفنن، وهو بداعة تنقلاتة من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل، والاتيان بالمتردفات عند التكرار تجنبا لتكرار الكلم، كذلك الأكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود، فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه، واقبالهم عليه، ومن أبدع أمثلة ذلك قوله تعالى:(مثلهم كمثل الذى استوقد نارا ً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون، أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم فى إذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين، يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، إن الله على كل شئ قدير (البقرة 17 ـ 20).
بحيث كان أكثر أساليب القرآن من الأساليب البديعة، العزيز مثلها في شعر العرب، وفي نثر بلغائهم من الخطباء وأصحاب بداهة الأجوبة، وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المتنقل منه والمتنقل إليه هى في منتهى الرقة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله الا عند حصوله، وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الاطالة عنهم، فان من أغراض القرآن. استكثار أزمان قراءته، كما قال تعالى:(علم أن لن تحصوه فتاب عليكم، فاقرأوا ما تيسر من القرآن (المزمل ـ 20)، فقوله:(ما تيسر) يقتضى الاستكثار بقدر التيسر، وفي تناسب أقواله، وتفنن أغراضه مجلبة لذلك التيسير، وعون على التكثير (من تفسير التحرير والتنوير ج1 ص 102 ـ 103) .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى