الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. المسارعة إلى التوبة والاستغفار

من صفات المتقين .. المسارعة إلى التوبة والاستغفار

أيها القراء الكرام: ننتقل في مقال اليوم إلي صفة جليلة من صفات المئقين وهي سرعة المبادرة بالتوبة والاستغفار عند الخطأ وقد ذكر الله هذه الصفة للمتقين بقوله تعالى:(والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا علي ما فعلوا وهم يعلمون )(آل عمران).
تعريف التوبة لغة:
التَّوْبة ـبفتح التاء وسكون الواو ـ مأخوذة من (تَوبَ)، التاء والواو والباء: كلمة واحدة تدل على الرجوع، وتاب إلى الله تعالى من كذا وعن كذا، يتوب توبًا، وتوبة ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، فهو تائب وتواب، والتائب: يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة؛ فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده، والتواب أيضًا: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه بعضَ الذنوب على الترتيب، حتى يصير تاركًا لجميعها، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قَبوله توبةَ العباد حالاً بعد حال، وتيسيره التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما يُظهِر لهم من آياته، ويسوق إليهم من تنبيهاته، ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب، استشعروا الخوف بتخويفه، فرجعوا إلى التوبة، فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول.
حقيقة التوبة:
التوبة في الحقيقة الرجوع إلى الله تعالى بالتزام فعل ما يُحب ظاهرًا وباطنًا، وترك ما يَكره ظاهرًا وباطنًا، فالتوبة في حقيقتها إذًا اسم لمجموع أمرينالرجوع إلى المحبوب، وهو جزء من مسماها والرجوع عن المكروه، وهو الجزء الآخر، فليست التوبة إذًا مجرد الترك، وإن كان هذا هو ما يظنه كثير من الناس، وهو قصور في فَهم حقيقة التوبة؛ لأنه وإن كان ترك المكروه من لوازم التوبة، إلا أنها تتضمن أيضًا فعلَ المأمور، فمَن تَرَك الذنب تركًا مجردًا، ولم يرجع منه إلى ما يحبه الله تعالى لم يكن تائبًا، إلا إذا رجع وأقبل وأناب إلى الله عز وجل وحل عقد الإصرار، وأثبت معنى التوبة في القلب قبل التلفظ باللسان، فندم بقلبه، واستغفر بلسانه، وأمسك ببدنه، وبهذا يكون قد حقق مدلول التوبة الكاملة.
وإذا كانت هذه هي حقيقة التوبة، فإن هذه الحقيقة يدخل في معناها الواسع: الإسلام والإيمان والإحسان، فيكون الدين داخلاً في مسمى التوبة، وأما الفرق بين التوبة والاستغفار: فالتوبة الندم على الماضي والإقلاع منه والعزيمة أن لا يعود فيه، هذه يقال له التوبة، أما الاستغفار فقد يكون توبة وقد يكون مجرد كلام، يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، لا يكون توبة إلا إذا كان معه ندم وإقلاع يعني من المعصية وعزم أن لا يعود فيها، فهذا يسمى توبة ويسمى استغفار.
فالاستغفار النافع المثمر هو الذي يكون معه الندم والإقلاع من المعصية والعزم الصادق أن لا يعود فيه، هذا يسمى استغفار ويسمى توبة، وهو المراد في قوله جل وعلا:(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران 135 ـ 136)، فالمقصود أنه نادم غير مصر، يعني يتكلم يقول: اللهم اغفر لي أستغفر الله وهو مع هذا نادم على السيئة يعلم الله من قلبه ذلك، غير مصر عليها بل عازم على تركها، فهذا إذا قال أستغفر، أو اللهم اغفر لي، وقصده التوبة والندم والإقلاع والحذر من العودة إليها فهذا توبته صحيحة.
التوبة في القرآن الكريم:
فقد حفل القرآن الكريم بذِكر التوبة والاستغفار في آيات عديدة، وسور مختلفة، وبيان فضل الله سبحانه في قَبول توبة التائبين، ومغفرة ذنوب المستغفرين، ومنذ بدء الخليقة قد أخطأ أبو البشر جميعًا آدم ـ عليه السلام ـ فعصى أمر ربه، بإغواءٍ من الشيطان الرجيم، ثم تاب وأناب، فاجتباه الله تعالى وتاب عليه، وهذا هو شأن كل البشر، يذنبون ساعة الغفلة والغواية، ثم يجدون باب رحمة الله أمامهم مفتوحًا لقبول توبتهم، فيستغفرون ويتوبون، فيَقبل الله تعالىمنهم تلك التوبةَ ليكبت الشيطان، ويرحم الإنسان، وفي قبول التوبة رحمةٌ من الله تعالى تشمل جموعَ التائبين بصدق وإخلاص، ولولاها لفقَدَ الإنسان الأمل في رحمة الله، واستمرأ الذنوب، وظل سائرًا في غيِّه وطغيانه، حتى يوافيه الأجل المحتوم، وهو من رحمة الله محروم، وفي ذلك قنوط ويأسٌ من رحمة الله، لا يرضاهم الله، ومن ثم كانت الآية الجامعة، وهي قوله تعالى:(قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحة الله إن الله يغفروا الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر) وكذلك آيات التوبة والاستغفار التي تهبُّ منها نسمات رحمة الله بعباده المذنبين، فاتحةً باب الأمل في قبول التوبة، وغفران الذنوب، بل وإبدال الذنوب حسنات للتائبين الصادقين في توبتهم،(إلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(الفرقان).
وردَتِ التوبةُ في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى التجاوز والعفو، وهذا مقيد بـ (على) ومنه قوله تعالى:( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ)(البقرة), وقوله تعالى:(وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(التوبة)، والثاني: بمعنى الرجوع والإنابة، وهذا مقيد بـ”إلى”؛ ومنه قوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ)(البقرة), وقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)(التحريم)، والثالث: بمعنى الندم على الزلَّة، وهذا غير مقيد لا بـ (إلى)، ولا بـ (على)، ومنه قوله عز وجل:( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)(البقرة), وقوله تعالى: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ )(التوبة).
حكم التوبة:
إن الإنسان لا يخلو من معصية أبدًا، وهذا نقص لا يسلم منه أحدٌ من البشر، فما مِن عبد إلا وقد اقترف إثمًا، أو فعل ذنبًا، وإنما يتفاوت الناس في مقادير المعاصي، أما الأصل فباقٍ
وبيان ذلك: أن كل بشر لا يخلو عن معصية بجوارحه، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح، فلا يخلو عن الهمِّ بالذنب بالقلب، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم، فلا يخلو عن وساوس الشيطان، بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذِكر الله، فإن خلا عنه، فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص، وله أسباب، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها، رجوع عن طريق إلى ضده، والمراد بالتوبة: الرجوع، ولا يتصور الخلو في حق آدمي عن هذا النقص، وإنما يتفاوتون في المقادير، أما الأصل فلا بد منه.
لما كان الأمر كذلك، كان كل إنسان مفتقرًا إلى التوبة، فلا يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر، فهي من أجلِّ الطاعات وأوجبها على المؤمنين، وهي خلق الأنبياء والمرسلين، وهي تصاحب البشرية منذ آدم ـ عليه السلام ـ هذا ما حكاه عنه القرآن الكريم في سورة البقرة في قوله تعالى:(فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )(البقرة) ثم تتابع الرسل بعده، كلٌّ يدعو قومَه إلى التوحيد وإلى التوبة.
وهذا هو هود ـ عليه السلام ـ يقول لقومه:(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)(هود).
وهذا صالح ـ عليه السلام ـ يقول عنه القرآن في دعوته لقومه:(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)(هود).
وهذا شعيب ـ عليه السلام ـ يقول لقومه:(وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُود)(هود).
وهذا موسى ـ عليه السلام ـ يلجأ إلى التوبة ليتخذها مسلكًا إلى غفران ربه ورضاه، كما أخبر عنه الحق بقوله:(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(الأعراف)، والتوبة خُلُق نبيِّنا ـ عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ـ كما أخبر بذلك أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(وَاللَّهِ، إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة) وبالتوبة أَمر الرسولُ (صلى الله عليه وسلم) أصحابَه، كما حدَّث بذلك ابنُ عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي اليَوْمِ إِلَيْهِ مائة مرة)، وفي سورة التوبة يجعل الله هذه الصفةَ أولَ صفة يثني بها على أولئك الذين اشتروا الجنةَ من ربهم، ببيع نفوسهم وأموالهم؛ فيقول جل ذكره:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
وهكذا نجد التنزيل الإلهي يُنَوِّه بشأن التوبة، ويجعلها سِمةً أساسية من سمات الأخيار المؤمنين بالله تعالى منذ أقدم العصور، ويأمر بها في غير ما آية، مما يدل على وجوبها؛ قال تعالى:(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور)
يقول القرطبي: ولا خلاف بين الأُمة في وجوب التوبة، والمعنى: وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهوٍ وتقصير في أداء حقوق الله تعالى فلا تتركوا التوبة في كل حال
وقال الألوسي في قوله تعالى:(وتوبوا إلى الله) لوين للخطاب، وصرف له عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة، وأنها من معظمات المهمات الحقيقية، بأن يكون سبحانه وتعالى الآمرَ بها، كما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلَّفين عن نوع من التفريط، في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي، لا سيما في الكف عن الشهوات، فدل ما سبق على وجوب التوبة، وأن ذلك مما اتفقتْ عليه الأُمة.
وإذا كانت التوبة واجبة على العبد، فإنه مِن كمالها أن تكون تامةً، بحيث تستغرق الذنوبَ كلها، فلا تدع ذنبًا إلا تناولتْه، ولا معصيةً إلا محتْ أثرَها من القلب، كما يمحو ضوءُ النهار ظلامَ الليل، توبة يجمع فيها العبدُ كلَّ عزم له وإرادة، للمبادرة بها، والمضي فيها إلى آخر عمره، والإقلاع عن الذنب وهو يحدِّث نفسه ألا يعود إليه، كما لا يعود اللبن في الضرع .. وللحديث بقية.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى