الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ثلاثية متلازمة (2)

ثلاثية متلازمة (2)

ثانيًا:الفكر: لغة: مأخوذ من الفعل الماضي فَكَّرَ )بالتشديد( يُفَكِّرُ تفكيرا، ويقال: فَكَرَ (بالتخفيف) يَفكُرُ فِكرًا أو فَكرًا على وزن: ضَرَبَ، يَضرِبُ، ضربًا، والفكر هو التأمل، والتصور، والنظر، والفِكرَة: من الفِكر وهي الصورة الذهنية لأمر ما وجمعها فِكَرٌ.
وقد وردت مادة (فَكَرَ) في القرآن الكريم في نحو عشرين موضعًا، ولكنها بصيغة الفعل ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر، إلا أن الفعل في اللغة العربية يدل على الحدث ذاته، وعلى من قام به وهو هنا المفكر، من تلكم الآيات قول الله تعالى:(إنَّه فَكَّرَ وَقَدَّر) وقوله تعالى:(أفلا تتفكرون) وقوله تعالى:(لعلهم يتفكرون).
ففي الآية الأولى بصيغة الماضي (فَكَّر)، وفي الآية الثانية بصيغة المضارع المخاطب (تتفكرون)، وفي الآية الثالثة بصيغة المضارع الغائب (يتفكرون).
اصطلاحًا: الفِكر هو نشاط ذهني يدل على قدرة العقل؛ إذ العقل البشري له وظائف كلها مرتبطة بعالم الشهادة، أي بعالم الحس، أهم هذه الوظائف: الاستقبال، والحفظ، والتخزين، والتحليل، والحكم، والإسهام، والإرسال، بمعنى أن العقل يقوم باستقبال العلوم والمعارف بواسطة الحواس الخمس، ثم يقوم بتخزينها، وحفظها، بعد ذلك يقوم بعملية التحليل، وإصدار الحكم، ثم الإسهام فيها؛ بتعديلها، أو بحذف شيء منها، أو بإضافة شيء جديد عليها، ثم إرسالها إلى الغير، أي: إلى العالم الخارجي عن طريق الجوارح.

فالفكر في الاصطلاح له مدلولان؛ المدلول الأول: يراد به الكيفية التي يدرك بها الإنسان حقائق الأشياء، أو الأمور التي أعمل فيها عقله؛ فيكون الفكر عندئذ بمثابة الأداة أو الآلة في عملية التفكير، وبناء على هذا المدلول، فيُعرّف الفكر بأنه إعمال العقل في الشيء، أو إعمال النظر في الشيء أو إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول.
والمدلول الثاني: يراد به ما نتج عن هذه العملية من تصورات، ومفاهيم حول ما تم طرحه من قضايا ومسائل، وبناء على هذا المدلول، فيعرف الفكر الإنساني بأنه كل ما أنتجه عقل الإنسان من علوم ومعارف كونية؛ سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وسواء كانت ذات مصداقية، أو غير ذات مصداقية.
ولا ريب أن الفكر الإسلامي هو جزء من الفكر الإنساني، وعليه فيراد بالفكر الإسلامي كل ما أنتجه عقل المسلمين من علوم ومعارف كونية؛ سواء كانت موافقة لتعاليم الإسلام وهديه، أو غير موافقة، وفي حالة عدم موافقتها للإسلام، يكون هذا النتاج محسوبًا على صاحبه، لا على الإسلام؛ فهناك فرق بين الفكر الإسلامي، والإسلام نفسه، فالإسلام هو من عند الله تعالى؛ فكل مبادئه وتعاليمه وأحكامه صحيحة لا تحتمل أدنى خطأ، بينما الفكر الإسلامي جهد بشري يحتمل الصواب والخطأ. إذا الإنسان يخطئ ويصيب.
ثالثًا: العقيدة
لغة: مأخوذة من الفعل الماضي عقد، فهي من العقد وهو الربط والإبرام والإحكام، والتوثق. والعقد نقيض الحل.
اصطلاحًا: العقيدة هي مجموعة من التصورات الذهنية، والمفاهيم المجردة لقضايا متصلة بالله تعالى، وبالكون، وبالإنسان، يعتقدها الإنسان اعتقادًا يقينيًا جازمًا بصحتها، يطمئن قلبه إليها، وترتاح نفسه لها، سواء كانت هذه العقيدة حقًا أو باطلاً.
والعقيدة الصحيحة هي ما كانت مطابقة للواقع، وعليها دليل قطعي؛ لأن قضايا العقيدة حقائق ثابتة تبنى على اليقين، يقول سماحة الشيخ الخليلي مبينًا منهجه في كتابه برهان الحق:(ولكن الذي أخذت به نفسي ألا أعدل عن حجة القرآن تأثرًا بهوى في النفس أو عصبية لقائل، وإنما أجعل كتاب الله والمتواتر من سنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) نصب عيني في كل ما أقوله وأحرره في أمر الاعتقاد ولا أسعى لتطويع نصوص الكتاب والسنة وتمييعها حتى توافق رأي أحد بعينه) (المصدر: الخليلي: ومضات فكرية لسماحة الشيخ الخليلي ص 42)، ويقول سماحته أيضًا:(لا نعتمد على الأحاديث الآحادية إلا في القضايا الفقهية، أما في القضايا الاعتقادية فإننا نرجع إلى المتواتر القطعي، ولا نتركه من أجل الخبر الآحادي الظني، وهذا الذي عليه الأمة إلا الحشوية، فإنهم يذهبون خلاف هذا الرأي) (المصدر: الخليلي: وسقط القناع ص 99).
ولا ريب أن ليس في الكون عقيدة صحيحة إلا العقيدة الإسلامية، ويراد بها الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى دينًا لعباده، والذي يستمد من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الثابتة الصحيحة، وعليه فكل عقيدة تخالف ما جاء في كتاب الله تعالى وما جاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم هي عقيدة باطلة فاسدة. والعقيدة الباطلة الفاسدة حتمًا؛ ستولد فكرًا منحرفًا، وستنتج فكرًا مائلاً عن جادة الصواب، وهذا الفكر المنحرف المائل قطعًا؛ سيولد سلوكًا سيئًا معوجًا، وسينتج تصرفًا طائشًا غير مسؤول، والواقع دال على هذا، وشاهد عليه .. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى