الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (21)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (21)

تعرفنا فيما سبق على كيفية تجاوز القرآن الكريم لبعدي الزمان والمكان في خطابه، بل ووجدنا خطابه خطاباً نوعياً متميزاً في كل زمان ومكان.
كما وجدنا معارفه لا متناهية العطاء .. وهذا من اهم ما يميزه في عطائه الفريد مهما تنوعت الازمانة واختلفت الطباع البشرية ومهما تعدد الثقافات. فهو يحمل قدرة الانسجام والتكيف والتحاوز والخطاب الحضاري.
وبينا ان السبب الاساسي وراء هذه القدرة الهائلة لدى القرآن الكريم في معارفه هو: انه كتاب الله تبارك وتعالى، والخالق لهذا الخلق غير متناهي، ومعارفه غير متناهية، والقرآن الكريم معارف الله تبارك وتعالى فالقران الكريم غير متناهٍ.
وعلى ضوء هذه الحقيقة ندرك عظمة القرآن الكريم وكيف انه يحمل معارف لا متناهية لاجل تحقيق سعادة الانسان وحضارته.
وبيّنا ان اللغة الشمولية التي لدى القرآن الكريم في خطابه الحضاري مع كل انسان مهما كان نوعه وزمانه ومكانه يتمحور حول محور واحد وهو: العقل.
وقد تساءلنا في نهاية مطاف الحلقة السابقة عن كيفية استعمال العقل كلغة مشتركة في التخاطب العالمي والحضاري، المتجاوز لحدود الزمان والمكان والنوعي البشري، فهذا ما اوكلنا الكلام فيه الى هذه الحلقة بعون الله تعالى.
ان الانسان لا شك ولا ريب كائن مخلوق، وان خالق هذا الانسان وكل الكائنات هو الله تبارك وتعالى .. فلما ان نأتي الى ما احتوته هذه الخلقة الالهية للإنسان سنجد اولى بصمات الحوار الحضاري .. اذ نجد ان الإنسان لما ان خلق ، فان عملية الخلقة نفسها تضمنت امرين، الامر الاول: الفقر الذاتي للانسان، والامر الثاني: فيض الكمال.
ترى ما معنى هذين الامرين، الجواب على هذا .. أولاً: بما ان الإنسان كائن مخلوق .. فإن الخلقة التي منحت له كانت من قبل الله تعالى .. وهذا يعني انه قد احتاج الى يد القدرة ان تنقله من حال العدم الى حال الوجود، وهذا الاحتياج كان من صميم تركيبته الذاتية الوجودية.
ولما ان وجود وخلق هذا الانسان فان احتياجه ظل ملازماً له، ويستحيل ان يزول عنه، وفي هذه الاحتياج الذاتي نجده محتاجا الى من اسبغ عليه الوجود، ومنحه الحياة وهو الله تبارك وتعالى.
ومن هنا قال الاعلام ان الانسان وكل كائن مخلوق محتاج الى الله تبارك وتعالى حدوثاً .. وايضا محتاج اليه بقاء .. ولا يمكنه ان يتحول من الفقر الذاتي الى الغنى بالذات، وهذا من المحالات الذاتية.
ثانياً: وبما ان الله تبارك وتعالى هو الخالق لهذا الانسان فقد افاض عليه مجموعة هائلة من الكمالات، والتي هي في هذه الانسان على نحو القابلية والقوة، نعم انها بفعل المعرفة الصحيحة وبفعل تفعيل هذه المعرفة الصحيحة تتحول من حال القوة الى حال الفعلية، وتصبح متحققة في حياته .
فمثل هذه التركيبة الوجودية التي يحملها الانسان وهي مخلوقه ومصنوعة من قبل الله تبارك وتعالى هي التي جعلت السماء تبني معارفها على ضوء هذه الحقيقة الموجودة في الانسان وبفعلها كان الخطاب القراني خطابا حضاريا شاملا ، مستوعبا كل الطبقات البشرية على الاطلاق ، وقادرا هذا الخطاب الحضاري على الدخول في كل معرفة من معارف هذا الانسان لاجل ايجاد الحلول الصحيح الناجعة لعلاج مشكلته الانسانية، فهذا المفتاح الاساسي نصطلح عليه بالمفتاح الفطري.
ومن خلال ما نجد القرآن الكريم عليه من الاسلوب الرائع في خطابه والى بيانه الفريد والى استعماله للامثلة لربطها مع الواقع الذي يعيشه هذا الانسان في كل مرحلة من مراحل حياته فاننا نجد تواجد ذينك العنصران الاحتياج والفقر الذاتي الوجودي وفيض الكمال الالهي متواجدان وبكثرة في الايات القرانية وسوره المباركة .. ومن خلال هذا المفتاح الفطري الذي يضع الانسان على اهم معارف القرآن الكريم ان استغل بشكل سليم وصحيح نجد وجود عناصر اولية اساسية للعقل الانسان.
وهذا يتضمن كيفية التفكير السليم وكيفية تركيب المقدمات السلمية بعد اختيارها وبشكل سليم وكيفية رفع الموانع والحجب التي تمنع العقل من التفكير الصحيح، وكذا يتمضن العناصر الاولية التي تعتمدها طريقة التفكير البشري .. وكل هذا يشترك فيه كل انسان، مهما بلغ مستواه واينما عاش ، وكيفيما عاش.
والقرآن الكريم اعتمد على هذا العقل في هذا الحوار الحضاري مع الانسان .. واستطاع من خلال هذا الحوار الحضاري ايجاد جسور التفاهم والحوار واستطاع ان يقدم ما لديه من المعارف الجميلة الى كل انسان وبالطريقة التي يستوعبها هذا الانسان وهذا ما جعل القران الكريم يتميز عن غيره من المعارف الانسانية .. وجعله حقا الكتاب الخالد.
وهذا فيه كما بين الكثير من الاعلام بيان لمعجزة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا يعد القرآن الكريم اعظم معجزة لنبينا الاكرم لانه لا يوجد كتاب يحمل مثل هذا المعنى الحضاري الجميل المتجاوز لكل ابعاد الزمان والمكان، بحيث يكون في معارفه فريدا جداً، وتكون معارفه ايضا لا متناهية في كل عطاءته العلمية والمعرفية والثقافية.
كل هذا نهوضا لهذا الانسان من حالة الدس في التراب الى عالم العروج الى الكمالات الانسانية اللا متناهية التي قد نالها الكثير من اولياء الله تعالى.
وقد اعتمد القرآن الكريم في خطابه الحضاري على اهم عنصر من عناصر العقل وهو: قاعدة استحالة اجتماع النقيضين وهي تعد من امهمات القواعد العقلية، والتي ترجع اليها كل القواعد العقلية ، وكل عملية التفكير البشري تعتمد على هذه القاعدة، وهذا ما نلحظه في كل مراحل تقدمه في العلوم التقنية والتكنولوجية والفكرية والفلسفية والتربوية والرياضية والهندسية وغيرها من العلوم التي عرفها الانسان فانها كلها تعتمد على هذه القاعدة العقلية.
وقد جاء القرآن الكريم في خطابه معتمداً على هذه القاعدة العقلية فخاطب فيها القريش، وخاطب فيها اليهود وخاطب فيها النصاري وخاطب فيها كل انسان .. ولذا استطاع القران الكريم من التقدم في حلبة الحوار العلمي والمعرفي ولم يستطع احد والى الان من غلبته لانه فعلا يحمل مقومات النجاح في حواره .. ويعتمد اللغة الحوارية في خطابته التي تتجاوز الاهواء والانا لانها لغة موضوعية منصفة جداً .. وللموضوع تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى