الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قصص الأنبياء للأطفال

قصص الأنبياء للأطفال

زكريا ويحيى ـ عليهما السلام
رحل نبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ عن الدنيا فتفرقت الطيور والجن، وارتد كثير من القوم عن دين الله، وامتدت أيديهم إلى التوراة بالتحريف فحذفوا منها نصوصاً وأضافوا إليها ما يوافق أهواءهم.
أرسل الله تعالى كثيراً من الأنبياء إلى بني إسرائيل فعاندوهم وآذوهم وقتلوا كثيراً منهم.
أوحى الله إلى عبده زكريا وكلفه بدعوة القوم وردهم إلى الحق.
توجه نبي الله زكريا ـ عليه السلام ـ إلى قومه وبلغهم رسالة ربه فوجد آذاناً صماء وعقولاً جوفاء .. أعرض القوم عن نبي الله وتوعدوه ولم يؤمن به سوى عدد قليل منهم.
أعد زكريا ـ عليه السلام ـ محراباً للصلاة في بيت المقدس، واجتهد في العبادة فأكثر من الصلاة والصيام، وأخذ يلقي دروسه في المسجد ويبين للمؤمنين أمور دينهم.
ظل النبي يدعو قومه دون يأس حتى كبرت سنه ووهن عظمه وابيض شعره، وخشى أن يرتد المؤمنون من بعده ويزداد العصاة تمردا فتمنى أن يهبه الله ولداً صالحاً يخلفه في بني إسرائيل، ويدعوهم إلى الإيمان ويهديهم إلى الحق.
وبينما كان النبي يسبح ربه إذ أقبلت زوجته فرحة، وبشرته بأن زوجة عمران أنجبت طفلة رائعة الحسن.
وكانت زوجة عمران تتمنى أن يرزقها الله ولداً صالحاً يخلف أباه عمران إمام بني إسرائيل في الصلاة بهم.
وازدادت رغبة الزوجة حين رأت طائرا يطعم صغيره فدعت ربها وتوسلت إليه فاستجاب دعاءها.
نذرت زوجة عمران أن تهب وليدها لخدمة بيت المقدس والتعبد فيه فقالت:(.. رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (آل عمران ـ 35).
ولم تكتمل فرحة المرأة إذ رحل زوجها عن الدنيا قبل أن يرى وليده.
انقضت شهور الحمل ووضعت الأم أنثى فاشتدت حيرتها وهمست: رباه .. كيف أفي بنذري وقد أنجبت أنثى؟!.
سيطر القلق والهم على الأم لأن خدمة بيت المقدس قاصرة على الذكور فقط دون الإناث.
لجأت السيدة إلى ربها وفي قلبها أسى وحزن شديد خشية أن يرفض الله نذرها وقالت:(.. رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران ـ 36).
وكانت مفاجأة عظيمة للأم حين تقبل الله ابنتها ورضي عنها وفضلها على نساء قومها.
اصطحبت زوجة عمران ابنتها مريم وقصدت بيت المقدس فأودعتها مع علماء بني إسرائيل وانصرفت عائدة إلى بيتها بعد أن وفت بنذرها.
هيأ نبي الله زكريا مكاناً في المسجد لمريم لكن علماء بني إسرائيل رفضوا أن يستأثر زكريا برعاية ابنة إمامهم وأرادوا أن يشاركوه في هذا الأمر.
صاح زكريا: أنا أولى برعاية مريم لأنني زوج خالتها.
ثار العلماء واحتدم النقاش بينهم، وأخيرا اتفقوا على إجراء قرعة لاختيار من يكفل مريم ابنة عمران.
أحضر القوم أقلاماً من الخشب، ونقش كل عالم اسمه على قلم ثم وضعوها في إناء وأمروا غلاماً أن يختار قلماً واحداً .. أمسك الغلام بأحد الأقلام ورفعه عاليا فإذا به قلم زكريا ـ عليه السلام.
اعترض العلماء وقرروا إعادة القرعة على أن يلقوا بأقلامهم في النهر فمن سار قلمه عكس تيار الماء فاز بالقرعة .. ألقى العلماء بأقلامهم في النهر فسارت جميعا في اتجاه التيار فيما عدا قلم زكريا.
صاح العلماء معترضين وطالبوا بإجراء القرعة مرة ثالثة حتى تطمئن قلوبهم وقالوا: نلقي بأقلامنا في النهر فمن سار قلمه مع اتجاه التيار فاز بالقرعة.
ألقى العلماء بأقلامهم فإذا بها تسير عكس التيار، فيما عدا قلم زكريا الذي شق طريقه منطلقا مع التيار.
وأدرك القوم أنها مشيئة الله تعالى، وانه أراد أن يتكفل زكريا برعاية مريم لأنه نبي أوتى العلم والحكمة.
عكف النبي على خدمة ابنة عمران وتربيتها حتى امتلأ قلبها بنور الإيمان، واطمأنت نفسها فصارت تصوم النهار وتقوم الليل.
وذات يوم دخل زكريا ـ عليه السلام ـ على مريم في محرابها فوجد عندها طعاماً لم يقدمه إليها ورأى فاكهة في غير أوانها فاشتد عجبه وهمس: سبحان الله.
ومرت الأيام وكلما دخل زكريا على مريم وجد عندها رزقاً متنوعاً .. فاكهة الصيف في الشتاء .. وفاكهة الشتاء في الصيف.
وأخيرا سأل زكريا ـ عليه السلام ـ مريم:(.. أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران ـ 37).
أدرك زكريا أن ابنة عمران بلغت منزلة عظيمة عند الله فصار يطعمها من ثمار الجنة.
وأثار ذلك المشهد شجونه فالتجأ إلى ربه ودعاه:(يا من ترزق مريم فاكهة في غير أوانها هب لي ولداً يعبدك ويحمل الرسالة من بعدي فيهدي الحائرين ويرشد الضالين).
( .. رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) (آل عمران ـ 38).
واستجاب الله تعالى دعاء زكريا عليه السلام فأوحى إليه:(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) (مريم ـ 7).
أشرق وجه النبي من الفرح وخرّ ساجداً شاكراً لله لكنه أطرق في حزن حين أحس بالضعف والوهن فقد كبرت سنه ووهن عظمه واشتد بياض شعره وزوجته عاقر لا تنجب.
توجه النبي إلى ربه قائلاً:(.. رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) (مريم ـ 8).
أخبر الله تعالى نبيه أن ذلك شيء هين يسير لأنه سبحانه وتعالى حين يريد شيئاً فإنه يقول له كون فيكون.. أوحى الله تعالى إلى زكريا:(.. كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) (مريم ـ 9).
وطلب زكريا ـ عليه السلام ، من ربه آية وعلامة تدله على حدوث الحمل فأوحى الله إليه:(.. آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (آل عمران ـ 41).
وحين حدث الحمل عجز لسان زكريا عن النطق فخرج إلى قومه فرحاً وأشار إليهم أن سبحوا ربكم ليلاً ونهاراص، وخرّ النبي ساجداً لله، واستغرق في التسبيح بقلبه حتى انقضت الأيام الثلاثة.
وضعت زوجة النبي وليدها يحيى بعد لهفة وشوق وتحققت أمنية زوجها فوهبه الله ولدا تقيا يرثه من بعده ويخلفه في دعوة قومه.
اختص الله تعالى عبده يحيى بالتكريم فاختار له اسماً لم يطلق على أحد قبله وعلمه الكتاب والحكمة في سن صغيرة وشمله برعايته وحفظه من مكر الشيطان ووهبه حسن الخلق والعفة والطهارة فلم يرتكب فاحشة قط ولم يقع في معصية.
نشأ يحيى باراً بوالديه، مطيعاً لهما، رفيقاً بقومه لا يتوانى عن مساعدة محتاج أو نصرة مظلوم.. وكان يحب الاختلاء بنفسه والاستغراق في العبادة والتسبيح حتى تنهمر الدموع من عينيه رهبة وخشية من الله.
آتى الله تعالى يحيى ـ عليه السلام ـ النبوة، وأمره أن يأخذ التوراة بقوة ويعلمها بني إسرائيل.
عكف النبي على وعظ النبي قومه وهدايتهم، وحثهم على التقرب إلى الله بحسن الأخلاق وفعل الخيرات وترك المنكرات.
وذات يوم أحب ملك البلاد ابنة أخيه وقرر أن يتزوجها وهي لا تحل له.
تطاير خبر الزواج المحرم حتى وصل إلى النبي فاشتد غضبه وأعلن رفضه لهذا الزواج المحرم وقال: هذا الزواج باطل ولا تعترف به شريعة التوراة.
انتشر كلام النبي وذاع في أنحاء البلاد حتى وصل إلى سمع الفتاة، فتوسلت إلى الملك أن ينتقم من يحيى لأنه رفض زواجهما وأشاع بين الناس أنه زواج باطل.
اقتحمت جنود الملك محراب نبي الله يحيى ـ عليه السلام ـ فوجدوه يصلى والنور يسطع من وجهه الشريف .. أغمد الجنود سيوفهم في جسد النبي الطاهر فسقط شهيداً في محرابه.
انتقم الله عز وجل لنبيه الكريم فصب غضبه على المجرمين، وأعد لهم جهنم وبئس المصير.

ناصر عبد الفتاح

إلى الأعلى