الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (2)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (2)

.. وظهرت هذه الصيغة بمظهر ليس لها في الأصل، كما لو ارتدى فقيرٌ ثوبَ غنيّ ، أو ارتدى عليلٌ ثوبَ صحيح، وكشفت الكلمةُ عن أن الرياء لا يخفى على أهل الحق، وأنَّ المنافق المرائي الناس بفعله والذي تحدثت عنه الآية مكشوفةٌ ثيابُه، وأنه يبدو متصدقاً، لكنه على غير حقيقته، فهو منافق بخيل رغم تصدقه، لا ثواب له، رغم إنفاقه، تمامًا كما فعلت تلك الكلمة (رئاء) التى ظهرت بسيماءَ ليست لها، وارتدت الصيغةُ الصرفية حُلتها الجديدة، إلا أنها معلومة، معروفة، وواضحة، مكشوفة.
والنموذج الرابع: قوله تعالى:(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ، لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المجادلة 17 ـ 19).
الفعل:(استحوذ) بوزن (استفعل)، والقاعدة هنا توجب أن يكون الفعل بهذه الصيغة: (استحَاذَ)، وليس (استحْوَذَ) بسبب الإعلال بالنقل الذي ترتب عليه إعلال بالقلب كما فى نحو: استقال، استشاط، استمات، استقام، ونحوها، لكن القرآن هنا عدل إلى أصل الصيغة، وهى (استحوذ) قبل أي تغيير فيها، وجعل الواو محققةً، ولم يقلبها إلى ألف، مع وجود موجب قلبها ألفا، ومعنى استحوذ: غلب، واستعلى، وقَوِيَ عليهم، وأحاط بهم ، وجمعهم، وضمهم، من قولك : أحوذ الشيءَ: أي جمعه، وضمّ بعضه إلى بعض ، وإذا جمعهم فقد غلبهم، وقَوِيَ عليهم، وأحاط بهم، واستولى عليهم ، فالاستحواذ إذن هو الاستيلاء والغلبة، وهو (استفعال) من:( حاذ حوذا): إذ أحاط شيئاً، وصرَّفه كيف يريد، قالوا: حاذ العيرَ: إذا جمعها، وساقها غالبا لها، فاشتقوا من (استفعل) للذي يستولي بتدبيرٍ، ومعالجة ولذلك لا يقال:(استحواذ) إلا فى استيلاء العاقل لأنه يتطلب وسائل استيلاء، ومثله:(استولى)، والسين والتاء للمبالغة في الغلب،ومثله:(استجاب)، والأحوذيُّ هو القاهر للأمور الصعبة، وقالت عائشة ـ رضى الله عنها:(كان عمر أحوذيا نسيح وحده)، ولكن كان حق (استحوذ) أن يقلب عينه ألفاً لأن أصلها واو متحركة إثرساكن صحيح، وهو اسم غير تعجب، ولا مضاعَفُ اللام، ولا معتلُّ اللام، فحقها أن تُنقَل حركتها إلى الساكن الصحيح قبلها فراراً من ثقل الحركة على حرف العلة، مع إمكان الاحتفاظ بتلك الحركة بنقلها إلى الحرف الذي قبلها الخالي من الحركة، فيبقى حرف العلة ساكنا سكونا ميتاً إثر حركة، فيقلب مَدَّةُ مجانسة للحركة التي قبلها مثل: يقوم، ويبين، وأقام ، فحق (استحوذ) أن يقال فيه:(استحاذ)، ولكن الفصيح فيه تصحيح، على خلاف غالب بابه، وهو تصحيح سماعي، وله نظائر قليلة، منها قول العرب: استنوق الجمل، وأعول: إذا رفع صوتَه، وأغيمت السماء، واستغيل الصبي: إذا شرب الغيل، وهو لبن الحامل، وقال أبو زيد:(والتصحيح هو لغة لبعض العرب مطردة في هذا الباب كله).
وحكى المفسرون أن عمر بن الخطاب قرأ:(استحاذ عليهم الشيطان)، وقال الجوهري: (تصحيح هذا الباب كله مطرد)، وقال في التسهيل:(يطرد تصحيح هذا الباب في كل فعل أهمل ثلاثيُّه، مثل: استنوق الجمل، واستيست الشاة: إذ صارت كالتيس)، ولكنني أضيف أن قياس وزن مصدر:(استفعل) المعتل الوسط كـ(استحاذ): استفعلة، أو استفالة فالقياس أن نقول: استحاذ استحاذة، واستقال استقالة، واستقام استقامة ونحوها، ولكن القرآن آَثَرَ هنا تصحيح الواو في:( استحوذ)؛ لأن الشيطان يستحوذ، ويغلب، ويستولي، ويقهر، فكأن الصيغة الصرفية هنا جاءت للتنبيه على ما تحتها من دلالة، وما تحملته من معنى درج عليه الشيطان، وخصوصاً ممن يرتكنون إليه، ويميلون إلى ضعف بشريتهم، ويجرون وراء معاصيهم، فعندئذ يتغلب عليهم الشيطان، ويقوى، ويفرض سيطرته عليهم، تماماً كما فعلت صيغة (استحوذ) التي تغلبت على صيغة (استحاذ)، مع وجود موجب إعلالها ، وهو تحرك الواو، وانفتاح ما قبلها، ومثل ذلك يقال في قوله تعالى:(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء ـ 14) أي: ألم نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين، ونمنعكم منهم بتخذيلنا إياهم، حتى امتنعوا عنكم، فانصرفوا بعد أنْ كنَّا نحن الذين نثبطهم عنكم، وفي اللغة: (حاذ عليه، واستحاذ يَحيذ، ويستحيذ، وأحاذ يُحِيذ)، وكان القياس ـ كما سبق ـ أن يأتي: (استحاذ عليهم الشيطان) و(ألم نستحذ عليكم) لأن الواو إذا كانت عينَ الفعل، وكانت متحركة بالفتح، وما قبلها ساكن جعلتِ العربُ حركتها في فاء الفعل قبلها، وحوَّلوها ألفًا متبعة حركة ما قبلها، كقولهم:(استحال هذا الشىء عما كان عليه)، من:(حال يحول)، و(استنار فلان بنور الله)، من النور، واستعاذ بالله من:(عاذ يعوذ)، وربما تركوا ذلك على أصله، كما قال لبيد:(إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها) أي غلبها وقهرها، حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذَّ منها شيء، ولم يقل:(أحاذ)، وبهذه اللغة جاء القرآن الكريم في قوله:(استحوذ عليهم الشيطان).
وأعود، فأقول: إن الصيغة الصرفية كان حقها أن تجيء:(ألم نستحِذْ)، لكن بقيت في كتاب الله هكذا:(ألم نستحوِذْ) بواو محققة مكسورة وقبلها حاء صحيحة ساكنة، بعدم حدوث أيِّ إعلال، لا بنقل، ولا بحذف، تغلبا وقهرا كما هو الحاصل من هؤلاء القائلين المتغلبين، فالصيغة الصرفية تتماشى مع الدلالة القرآنية، وهو أمر عجيب حقاً.
والنموذج الخامس: قوله تعالى:(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص 23 ـ 25).

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى