الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التوسط في الأمور

التوسط في الأمور

يقول الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فإنَّها
نجاةٌ ولا تركب ذلولًا ولا صعباً
فلا إسراف ولا بخل ولا لين ولا فظاظة ولا مُكثِر في أي شيء ولا مُقصِّر, ولا ضار ولا مضرور, ولا جبان ولا متهور بل يكون بين الشبع والجوع وبين الطول والقصر وبين المتين السمين والنحيف وبين الساخن والبارد وبين السريع والبطيء وبين الأمرد وكثيف الشعر وبين الناعم والخشن وبين الغني والفقير وبين الثرثار والساكت وبين العالي والمنخفض وبين الوادي والجبل وبين المطر الشديد والجفاف وبين الكآبة والهوس وبين النوم الشديد والأرق وبين الخجل والوقاحة وبين الحب الشديد والبغض وبين العزلة والمخالطة الشديدة وبين التنظف الشديد وترك التنظف وبين التكبر والإذلال وبين العجب والاستحقار وبين الرياء في نقصان العمل والرياء في زيدانه وبين الجافي والغالي وبين المطول والمخل وبين الحمق ومفرط العقل وبين سوقي الكلام ووحشي الكلام لغرابته وبين العمل المتتابع والعمل مع الترويح وبين المتعب والمريح جداً ـ كما نص عليه البيت .. وهكذا دواليك.
وإن كثيراً من الأخلاق الحميدة والأعمال ووصائف الأشياء دائرة بين الإفراط والتفريط أي هي وسط كما يوجد أيضاً أطراف محمودة ذا أضداد مذمومة كالخير والشر والعلم والجهل والخطأ والصواب والعزم والتكاسل والعز والذل ففي هذه الحالة يقع الوسط في الأشياء محمودة لأنها عادلة مأمور بها وبها يسر كبير.
قال الحكماء: لا تكن حلواً فتبلع ولا مُرّاً فتلفظ. لا تكن رطباً فتُعصر ولا يابساً فتُكسر, لأن الوسط محبوب لدى الناس محترم عندهم, وقال الجاحظ: ينبغي للرجل أن يكون سخياً لا يبلغ التبذير حائطاً لا يبلغ البخل شجاعاً لا يبلغ الهوج محترساً لا يبلغ الجبن حيياً لا يبلغ العجز ماضياً لا يبلغ القحة قوالاً لا يبلغ الهذر صموتاً لا يبلغ العي حليماً لا يبلغ الذل منتصراً لا يبلغ الظلم وقوراً لا يبلغ البلادة نافذاً لا يبلغ الطيش.
ومن الشواهد الشرعية على التوسط: التوسط في الإنفاق كقول الله سبحانه:(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء ـ 29) أي: لا تجعل يدك وكأنها مغلولة بسلاسل إلى عنقك فلا تستطيع مدها للعطاء ولا تجعلها مبسوطة كثيرا جدا بحيث لا تمسك شيئا فتعطي كل شيء فمصير إنك ملوم مذموم عند الخالق و المخلوق لأنك كلفت نفسك فوق طاقتك وتجاوزت حد العادة فاحتجت إلى غيرك وتكون محسورا منقطعا عن الوصول إلى ما تريد, ومثله قول الله جل جلاله:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(الفرقان ـ 67), ومثال التوسط في العبادة قوله الله جل جلاله:(وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)(الإسراء ـ 110) حيث نزلت في بدء الدعوة الاسلامية حيث كان المشركون يسبون القرآن إذا سمعوه من النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فأرشدت الآية النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)أن لا يجهر بالقراءة فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن ولا يسرها سرا بدرجة لا يسمعها أصحابه فلا يدرون ماذا يقول, ومنه حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ:(إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُكَرِّهْ عِبَادَةَ اللهِ إِلَى عِبَادِهِ فَإِنَّ الْمُنْبَتّ لَا يَقْطَعُ سَفَرًا وَلَا يَسْتَبْقِي ظَهْرًا) فهذا توصية منه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالقصد في العبادة بل القصد في كل شيء باعتبار شمولية الدين الحنيف, ومثال التوسط في انتقاء الأشياء قوله ـ جل جلاله:(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)(البقرة ـ 68) لأن أوسط أشياء فيه القوة و فيه الفائدة والكمال, والوسطية ميزة هذه الأمة قال الله عز وجل:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(البقرة ـ 143).
وجاء في الحديث: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ أَوْسَطُهَا، وَدِينُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْقَاسِي وَالْغَالِي، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا بِاللهِ وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ)، وهذا الحديث وإن كان مرسلا معضلا إلا إنه يتوافق مع العقل ومع مقاصد الشريعة ومع العادة لأنه يحكي عن التوسط والتوسط حسنة يدور بين سيئتين وهما الإفراط والتفريط, فكثير ممن صَلُح حالهم توغلوا في الدين بشكل كبير بلا علم سديد فحكموا على الأشياء الكثيرة أنها حرام يبتغون بذلك وجه الله لكنهم ضلوا عن الجادة ثم سرعان ما تنكبوا طريقهم هذا بعد ما تعبوا منه فخلعوا ربقة الدين عن أعناقهم فصاروا يستحلون بعض المحرمات, والقاسي أي: الجافي لأن من قسا على شيء جفاه, والمقصود به الذي لا يأخذ بأحكام الدين بينما الغالي هو من يتعمق بالدين ويأخذ بسطحيات النصوص دون ان يعرف مقاصد الشريعة في حفظ الكليات الخمس وهي الدين والعقل والعرض والمال والنفس أو مقاصدها في درء المفاسد وجلب المنافع ودون ان يأخذ بآراء علماء عصره المجتهدين المخلصين العاملين ومن هؤلاء الخوارج حيث شرّكوا صاحب الكبيرة التي هي دون الشرك فمن سرق عندهم فهو مشرك مما ادى بهم إلى استحلال ماله ودمه وعرضه والعياذ بالله, وجاء في تفسير قوله تعالى:(قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ)(القلم ـ 28) أي قال: أخيرهم وأفضلهم .. إذاً الوسط يعني الفضل والخير وفيه النجاة من الشقاء في الدنيا وفي الآخرة بإذن الله.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى