الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أقلام في قفص الاتهام

أقلام في قفص الاتهام

محمد بن سعيد الفطيسي

”إننا ننظر بتخوف شديد من استفحال انتشار هذا الكم الهائل من دعاة الفكر والفن والأدب الفارغ، والذين تسيدوا الساحة الأدبية والثقافية والفنية في عالمنا العربي تحت أسماء وشعارات وتوجهات هي في حقيقة الأمر لا تزيد عن كونها مجرد طاقات للرجس والدنس، ودغدغة للغرائز والمشاعر، وإشغالها بكل ما من شأنه إبعاد الشباب عن دينهم وعقيدتهم ورفعة أمتهم ومنفعة أوطانهم ومجتمعاتهم.”
ـــــــــــــــــــــ
إنها الحداثة، المعاصرة، يا أخي … هكذا أطلق عليها احد الإخوة المنتسبين لمدارس الفكر والفن والثقافة، وهو يصف بعض الإسهامات والانتاجات الأدبية الحديثة، ونعني بها تحديدا تلك الإسهامات الشعرية والنثرية والفنية والثقافية الارتزاقية الفارغة من النص والمضمون، والحداثة والمعاصرة منها براء، والتي هي اقرب ما تكون لوجبات (البارسل) السريعة منها للوجبات الصحية السليمة، حيث لا يكتب لها الاستمرار لعمر طويل على الساحة الأدبية حتى تستهلك ويرمى بها ” كالمحارم الورقية” في صناديق المخلفات.
وللأسف الشديد فإننا شئنا أم أبينا، لا بد أن نعترف هنا، بأن هذا النوع من الإسهامات (الأدبية والثقافية والفكرية والفنية)، بمختلف اتجاهاتها وتوجهاتها إن صح أن يطلق عليها هذه التسمية، ـ أي تسمية “إسهامات” ـ قد انتشرت كالنار في الهشيم على الساحة الثقافية في عالمنا العربي خلال السنوات الأخيرة.
وحتى نضع الأمور في نصابها الصحيح ومكانها السليم، فإننا لا بد أن نؤكد على بعض النقاط المهمة، أولها: أن هذا الفراغ وهذه الانتكاسة المخزية التي أصابت صميم مجتمعاتنا العربية في ثقافتها، ونعني هنا أنماط الحياة وأساليب التفكير ومنظومة القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات قد أصابت العديد من المجتمعات في مختلف أرجاء العالم، فمعظم شعوب العالم اليوم، تعاني هذه الصدمة الثقافية والخواء الفكري والانتكاسة الأدبية، مع الإشارة إلى اختلاف قوة الإصابة ومدى تأثيراتها الجانبية على المجتمع نفسه.
أما الأمر الآخر والذي لا بد أن نؤكد عليه فهو استحالة التعميم، وبمعنى آخر أن الساحة الثقافية والأدبية والفنية في عالمنا العربي تحتضن كما كبيرا من الإسهامات التي تنتمي لأدب الحداثة الجميل والرائع والذي يمكن الإشارة إليه بأصابع الاحترام والتقدير والثناء لا الاتهام بالانحلال والفراغ الفكري، وهو ما يجعلنا من ناحية نفصل بين تلك الإبداعات من الشعر والنثر وخلافه، ومن ناحية أخرى نتمسك بالأمل المتبقي في تلك الأقلام والعقول الحرة الشريفة، أما الأمر الأخير فهو أن هذه الانتكاسة الثقافية التي تعاني منها الأمة وشعوبها، لا تقل بحال من الأحوال عن الانتكاسة التي أصابت بقية جوانب ونواحي الحياة فيها منذ أكثر من خمسة عقود على اقل تقدير، فهي تعاني الأمرين في الاقتصاد والسياسة والشؤون العسكرية والتخطيط الاستراتيجي والتنموي.
وقد ركزنا هنا على الناحية الثقافية والأدبية والعلمية لأنها ـ ومن وجهة نظرنا ـ أساس بناء الأمم والشعوب ورقيها وسبب نهضتها وقوتها وتنميتها، فنحن لا نستطيع أن نبني امة قوية في شؤونها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية إذا كانت عقول مؤسسيها ومخططيها ومن تعول عليهم نهضتها وقوتها وعلو شأنها قائمة على التفسخ والانحلال والمجون والفراغ والترف، كما أن المجتمعات التي تحركها وتقودها العقول التي تربت في مستنقعات الشهوة والعبودية، واعتادت على الالتصاق بأوحال الأرض ودنسها دون التطلع لجو الحرية والنضال لا يمكن لها النهوض والتقدم والانطلاق بتلك المجتمعات والشعوب.
وان كنا على يقين بقدرة هذه الأمة العظيمة على استعادة مكانتها العالمية الطبيعية القيادية في يوم من الأيام بسبب امتلاكها للعديد من المقومات والإمكانيات والطاقات البشرية الطيبة، وعلى رأسها تلك القلة القليلة المتبقية من المثقفين والمفكرين والأدباء والشعراء ومن ينتمون لمجتمع الفكر والثقافة، من الذين ما زالوا محافظين على إسهاماتهم وإبداعاتهم الفكرية والأدبية والفنية الخالية النقية من التفسخ والانحلال والمجون وتملق الطغاة والتسبيح بحمد الحكومات.
إننا ننظر بتخوف شديد من استفحال انتشار هذا الكم الهائل من دعاة الفكر والفن والأدب الفارغ، والذين تسيدوا الساحة الأدبية والثقافية والفنية في عالمنا العربي تحت أسماء وشعارات وتوجهات هي في حقيقة الأمر لا تزيد عن كونها مجرد طاقات للرجس والدنس، ودغدغة للغرائز والمشاعر، وإشغالها بكل ما من شأنه إبعاد الشباب عن دينهم وعقيدتهم ورفعة أمتهم ومنفعة أوطانهم ومجتمعاتهم.
نعم .. لقد انتشر اليوم وبشكل لافت ومخيف للغاية في بلداننا الإسلامية والعربية صنف جديد من الشعراء والكتاب والفنانين الذين لا هم لهم سوى الدعوة للدعة والترهل والسفور والانحلال، ونشر كتابات الرذيلة والأغاني الخليعة الماجنة، وقد استطاعوا بطريقة او بأخرى تسيد الساحة الثقافية والأدبية والفنية في عالمنا العربي، تدعمهم العديد من القنوات الفضائية الفارغة التي ينطلق بثها من بلداننا الإسلامية والعربية ـ للأسف الشديد ـ ، وتسير أمامهم مواكب طويلة من دعاة الشهوات وأصحاب العقول المادية المنحلة في الداخل والخارج، فأي امة يمكن لها أن تنهض وتقوم على أقلامهم وكتاباتهم وأشعارهم الفارغة المنحلة؟ وأي جيل عظيم يمكن له أن يقوم وينشأ على تربية فارغة كل همها التثاقل والاستسلام والخمول و”هز الوسط “؟
(فإذا نحن أردنا أن نكافح أدب الانحلال ـ ونقضي على هذه المواكب الطويلة من الفراغات ودعاة الفتنة والرذيلة والتفسخ، فيجب أن نكافح أولا أسبابه في حياة الأفراد أو حياة الشعوب، يجب أن نكافح روح العبودية في الضمير الإنساني، نكافح عبودية الشهوة فنحرر الضمير البشري من الخضوع لها، فالإنسان إنما صار إنسانا بتعاليه عن ضرورات الحيوان، والتربية الدينية هي الطريق الأنجع والأقرب إلى تقوية روح الإنسان، وتساميه عن ضرورات الحيوان).
نعم … نحن لن نستطيع أن نحارب أسباب الفساد والانحطاط في المجتمعات، وهذا الكم الهائل من دعاة الفتنة والرذيلة والانحلال تنهش في جسد الأمة ليل نهار، سوى بنشر الأدب الهادف والفن الراقي والثقافة الماجدة، لن نستطيع أن ندعو الناس الى الكلمة الطيبة والقصيدة الجميلة الراقية وهذا الكم الهائل من القصائد الهابطة والأغاني الماجنة والمقالات التي تمزق أردية المجد والعزة جهارا نهارا تسرح وتمرح على أغلفة المجلات وعلى شاشات التلفاز والقنوات الفضائية وغيرها من وسائل الإعلام، سوى بتبني كتابات النضال والكفاح ورفع الهمم وتوجيه الشباب إلى المحافظة على دينهم وأوطانهم وأنفسهم من الاستغلال والتغريب والانحطاط.
فيا أيتها الأقلام الارتزاقية الفارغة التي عجزت أن تسلك طريق الكفاح والنضال والمجد وتوجيه الأمة الى طريق العظمة والنور، كفوا أقلامكم عنا فنحن لم نعد نطيق تلك الألوان والرسومات التي تخدعون بها الأطفال والضعفاء، كفوا عنا أشعاركم وقصائدكم وكتاباتكم الفارغة كعقولكم والتي لا تعيش وتقتات سوى على الحشائش اليابسة في الأراضي البور، كفاكم إفسادا لأجيال تعول عليها هذه الأمة الإسلامية العظيمة استعادة مجدها ونهضتها ورفعتها، فإذا كنتم عاجزين عن صنع شيء يستحق الاحترام والخلود، وان تكونوا الوقود الذي تهتدي به الأجيال القادمة، فلا تكونوا معاول الهدم والتخريب والفساد، وأعوان الاستعمار الثقافي وقادة الانحلال والانحطاط الذين ينثرون بذور التفسخ والمجون في جسد هذه الأمة الغالية.

إلى الأعلى