الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

محمد بن سيف الشعيلي

المقاصد في ليلة القدر الحلقة (6)
الكل منّا يطمح ويطمع، ويتجلّد ويصدع، ويرجو حصول ما ينفع، غير أنه يختلف النافعون ويتعدد المنتفعون، فمنفعتنا من الدنيا محدودة، ومنفعتنا بالآخرة ممدودة، ولذا وجب علينا البحث عن النفع المستمر، وترك الانتفاع المقتصر. نعيش هذه الأيام مواسم اصطياد، وساعات ترّج واعتماد، حيث تلّمس ليلة عظيمة في قدرها، كبيرة في منافعها، جليلة عند ربها، مطلوبة لدى قوامها، إنها ليلة القدر، التي رفع الله من شأنها بجعلها خير من ألف شهر، يقول تبارك وتعالى:(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ)”القدر/ 2 – 3″. ويكفي بها شرفا تصريح المولى بأفضليتها من أيام وليالِ ألف شهر من الدهر. وقبل أن نشير إلى مقاصد وحكم تفضيلها، نبين أن أهل العلم اختلفوا في معنى القدر الذي أضيفت إليه هذه الليلة المباركة، فمنهم من ذهب أن المقصود به التعظيم والتشريف والرفعة، ومنه قوله تعالى:(وما قدروا الله حق قدره)”الأنعام/91″، فهي ذوو قدر؛ لنزول القرآن بها، أو لما يقع من تنزّل الملائكة فيها، أو للبركات والرحمات والمغفرات التي تتنزل بها، أو لأن الذي يصادفها محييا لها بالعبادة والطاعة يكون ذا قدر ومكان عال. وذهب البعض من أهل العلم أن المراد بالقدر هنا التضييق، ومنه قوله تعالى:(ومن قدر عليه رزقه)”الطلاق/7″ ومراد ذلك أن العلم بها جعل ضيقا ومخفيا، أو لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة التي تتنزل. وذهب البعض من أهل العلم أن المراد بالقدر هنا القَدَرَ الذي يكون مؤاخيا للقضاء، ومنه قوله تعالى:(فيها يفرق كل أمر حكيم)”الدخان/4″، وتوجيه ذلك أن الأقدار تكتب وتحسب فيها لتلك السنة، فيجب على الإنسان أن ينظر بعين فاحصة، ويسمع بأذن واعية، ويكون من ذوي القلوب المدّكرة المعتبرة، يأخذ من كل معاني ومفاهيم الدلالات السابقة حظا وافرا في حياته؛ لينتفع به بعد مماته، فكلها تفسيرات يحتاجها المرء في حركاته وسكناته، وتصرفاته وشؤون حياته. فالكل محتاج للرزق في المال والحال، والسعة والأولاد، ومحتاج لمباهاة المولى به لملائكته الذين يتنزلون في تلك الليلة. فيكون عمره حسَنَاً في عمله، من قول، أو فعل، أو سكون، أو حركة؛ عندها تحفه الملائكة الكرام، بالسلام والاطمئنان، والمغفرة والرضوان، والبر والإحسان، واللطف والامتنان. ومحتاج الإنسان – كذلك – أن تكون أقداره سليمة، معافا في بدنه، مكرّما عند خالقه، مسلّما من نوائب دهره وزمانه، يسأل خالقه حسن ختامه، وطيب مقامه، ومرافقة نبيه، ومصاحبة النعيم بآنه ومآله. أما المقاصد والغايات والأسرار التي نالت تلك الليلة لأجلها التبجيل والتجليل، والتفصيل والتعليل، فكثيرة مناقبها، بينة محامدها، مميزة فضائلها وفوائدها، فمنها ما سبق بيانه، وما يلحق تبيانه وقرآنه بالقول:(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ)”القدر/4″، فيكفي أن ينال صاحبها السلام والأمان، والأمن والاطمئنان، من ملائكة الرحمن؛ حيث يسلمون عليهم بأنفسهم، وقيل: يبلغونهم سلام ربهم، ذلك كله بما يجده قلب كل قائم عابد في تلك الليلة المباركة من الارتياح والأُنْسِ. كما ورد بيان حكمة التشريف لهذه الليلة بنصوص الأحاديث النبوية، التي بيّنت فضائلها وفوائدها ومصالحها ومنافعها لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). وماذا يريد الإنسان العاقل من هذه الدنيا وما بعدها في الآخرة إلا غفران الذنوب، ليسعد عند ملاقاة علام الغيوب. وقد وردت عدة نصوص في تحديد زمن وقتها – علاوة على تحديد الآية السابقة لزمنها بحرف الجر (حتى) الذي يدل على انتهاء الغاية الزمانية لها بطلوع الفجر -، ومن تلك النصوص النبوية قوله – صلى الله عليه وسلم -:(تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان). وأوتار العشر الأواخر ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين، أو الخامس والعشرين، أو السابع والعشرين، أو التاسع والعشرين. فلنشمر أيها – القارئ الكريم – في بقي لنا من هذه الليالي العظام، ولنجدد التوبة والأوبة، ولنسكب العبرة والدمعة، فكم من أناس قضوا ولم يبلغوا، وكم من أناس تأملوا وما قصدوا، فالله الله في أنفسنا، والخير الخير في أعمالنا، والبدار البدار في أعمارنا وإلى لقاء آخر يجمعنا ـ بمشيئة الرحمن ـ أستودعكم إياه حلا وترحالا.

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي

إلى الأعلى