الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الربيع العالمي

الربيع العالمي

أحمد مصطفى

” الاستفتاء البريطاني أشعل حمية تيارات وأحزاب يمينية متشددة في أنحاء أخرى من أوروبا تطالب باستفتاء مماثل، وليس الغرض النهائي الخروج أو البقاء ضمن أوروبا موحدة ـ فهذا بالنسبة لهؤلاء السياسيين الشعبويين أمر فلسفي إلى حد ما ـ إنما الهدف ركوب موجة الشعبوية للوصول للسلطة. ولا يهم بعد ذلك إذا كانت لديهم خطط للنهوض ببلادهم معزولة عن النادي الأوروبي.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يكن حتى من قادوا حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يتوقعون رد الفعل في بريطانيا وأوروبا وأسواق واقتصادات العالم الذي بدأ فور ظهور نتيجة الاستفتاء لصالح الخروج وما زالت تداعياته مستمرة حتى الآن وقد تظل تؤثر سلبا في الاقتصاد العالمي لفترة. وبعيدا عن الشعارات الجوفاء من قبيل “إبهار الديموقراطية البريطانية” و”احترام إرادة الشعب البريطاني” إلى آخر تصريحات السياسيين، فإن الذي حدث ومنذ الانتخابات العامة في بريطانيا العام الماضي ليس إلا ركوبا لموجة شعبوية دون أي حسابات سياسية واقتصادية في الحد الأدنى. ولا تقتصر الشعبوية على بريطانيا فحسب، بل يمكن سحبها على أوروبا كلها، وحتى تعامل بيروقراطية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل لا تخلو من حسابات ضيقة تكاد تكون محصلة لبيروقراطيات الدول الأعضاء الرئيسيين مما يعظم من عدم كفاءتها.
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون جعل طرح البقاء في أوروبا أو الخروج منها في استفتاء بندا أساسيا في برنامجه الانتخابي العام الماضي، فقط ليتفادى انقسام حزبه، المحافظين، وخسارة الانتخابات وكي يرضي اليمين المتطرف أيضا. ورموز حملة الخروج مثل بوريس جونسون، عمدة لندن السابق، نشروا الخوف بين البريطانيين العاديين وصوروا لهم أن “اوروبا تنهبنا وتملي علينا طريقة عيشنا” كي يتزعموا الحزب الحاكم ويصلوا إلى السلطة. ولم يكن جناحا حزب المحافظين، ولا حتى اليمين المتطرف كحزب الاستقلال، يملكون أي تصور لما سيفعلون حال الخروج. ولأن البريطانيين العاديين، مثلهم مثل كثير من شعوب العالم، يهتمون بمصالحهم اليومية المباشرة فكان من السهل ترويج أن العامل البولندي أو المجري يأخذ وظيفة العامل البريطاني وإيهام الناس أن الخروج من أوروبا سيوفر لهم الوظائف ـ وهو غير صحيح اطلاقا. وكان من الصعب على النخبة والاقتصاديين اقناع الناس العاديين أن ضغط المهاجرين على الخدمات الاجتماعية أقل من مردود وجودهم على استمرار نمو اقتصاد البلاد.
الاستفتاء البريطاني أشعل حمية تيارات وأحزاب يمينية متشددة في أنحاء أخرى من أوروبا تطالب باستفتاء مماثل، وليس الغرض النهائي الخروج أو البقاء ضمن أوروبا موحدة ـ فهذا بالنسبة لهؤلاء السياسيين الشعبويين أمر فلسفي إلى حد ما ـ إنما الهدف ركوب موجة الشعبوية للوصول للسلطة. ولا يهم بعد ذلك إذا كانت لديهم خطط للنهوض ببلادهم معزولة عن النادي الأوروبي. ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي ميزة ضخمة في حد ذاته، لكن فوائده ترسخت عبر أكثر من ثلاثة عقود من التعاون الاقتصادي وغيره. وفيما يخص بريطانيا تحديدا، فليست هناك مشكلة لدى الأوربيين في خروجها من الاتحاد. فعلى مدى العقود الأخيرة وبريطانيا تعتبر نفسها أقرب لأميركا من أوروبا، ولطالما تشددت في مواقفها من كل ما يتفق عليه الأوروبيين. في النهاية كانت مصدر إزعاج أكثر منه تعاون، بل ويرى كثير من الأوروبيين أنها مستفيدة من وجودها في الاتحاد أكثر من استفادة الاتحاد من وجودها.
الأهم في تصوري هو تلك الموجة الشعبوية التي تشبه “مليونيات” المظاهرات في بعض البلدان العربية قبل خمس سنوات والتي وصفت بأنها “الربيع العربي” قبل أن يراها البعض في النهاية “الخريف العربي”. ومع الانقسامات في الأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا، وتصاعد موجات الشعبوية والتطرف في أنحاء أخرى من أوروبا، بالتزامن مع شعبوية أحد المرشحين الرئيسيين للرئاسة الأميركية (دونالد ترامب) يبدو وأن العالم على وشك دخول حالة يمكن وصفها بأنها “الربيع العالمي”. ولسنا بحاجة للاضطرابات التي شهدتها الدول الأوروبية الشرقية والعربية بعدها لندرك أن الربيع العالمي ليس إلا خريفا يمهد لشتاء قارس قد يصل إلى حد حقب التجمد التي أنهت الحياة على الأرض في عصور سحيقة قبل ظهور الإنسان.
يمكن ببساطة للمتابع لتطورات الأحداث ومواقف القوى ـ التي كانت رئيسية ولم تعد ـ والجماعات التي كانت هامشية وأصبحت رئيسية أن يلحظ بشائر هذا الخريف العالمي على كل الأصعدة. ولعل التحليل الأنسب الآن هو لتقدير مدى قساوة الشتاء القادم، وهل سيصل إلى حد الإفناء أم سيكون كارثيا فقط بضرر هائل تخرج منه البشرية ولو بعد عقود نحو فجر جديد في فصل من فصول تطورها. إنما ما يمكن للمرء أن يخلص إليه هو أن ذلك ليس ربيعا عالميا يسبق الصيف اللهم إلا إذا كان صيفا حارا مضطربا يشوي الوجوه ويقتل الزرع والضرع. ولأن الدول الغربية ليس فيها قوة حاسمة يمكن أن توقف مسار التدهور إن حدث، فالأرجح أننا لن نحتاج إلى بضع سنوات كما حدث في الدول العربية لنصل إلى حال فشل الدول ودخولها في اضطرابات دائمة.
لا يقولن أحد أن بريطانيا ليست مصر ولا أن أميركا ليست ليبيا أو سوريا، فقد سبق وسمعنا أن مصر ليست تونس وأن سوريا ليست ليبيا. ولا معنى هنا للحديث عن “ديموقراطيات راسخة” مقابل “أنظمة شمولية قمعية”، ففي حال الفوضى الشعبوية يستوي الجميع وتتشابه كافة الأنظمة. نعم، قد لا تظهر داعش في فرنسا أو اسبانيا، وقد لا يفرخ الإخوان المقيمين في بريطانيا جماعات كالقاعدة وغيرها. لكن لا تقلقوا، هناك بالفعل في الغرب ما يشبه الإخوان وجماعات العنف والإرهاب المنبثقة عنهم. ربما من الشطط تصور تقاطعات بين داعش والقاعدة والإخوان من ناحية والنازيين الجدد والاسكين هيدز والكلو كلوكس كلان وأمثالهم من ناحية أخرى. لكن في ظل الربيع العالمي، كل شيء جائز.

إلى الأعلى