الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عذوبة التلاوة: أثرها ورعايتها

عذوبة التلاوة: أثرها ورعايتها

السيد عبد العليم

” ان لجمال صوت القارئ اثرا كبيرا وتحبيبا في كتاب الله وزيادة الاقبال على الصلاة والاستماع لتلاوة القرآن الكريم، كتاب الله المعجز في كل انواع الاعجاز من حيث الفصاحة والبلاغة وغيرها. وهو الكتاب الذي يفخر كل مسلم ومسلمة بحمله” وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ “الزخرف44. والذي تكفل الله سبحانه بحفظه ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” الحجر9.”
ــــــــــــــــــــــــــ
اختتمت مؤخرا بولاية نزوى مسابقة عذوبة الصوت في قراءة القرآن الكريم والأذان. وليست تلك هي المرة الأولى التي تقام فيها مسابقات لعذوبة الصوت، بل ان هناك كثير من المسابقات في هذا المجال والتي تركز على التنافس في عذوبة وجمال صوت قارئ كتاب الله عز وجل. ولسلامة قراءة كتاب الله مع جمال وعذوبة صوت قارئه أثرا بالغا على من يستمع الى تلك التلاوة. ولعلنا لا نبالغ في القول ان هناك اعدادا ممن دخلوا الاسلام تأثروا بأصوات قراء للقرآن الكريم وهبهم المولى الكريم اصواتا عذبة كأنما اوتوا مزامير داود عليه السلام، التي كانت الجبال وكثير من مخلوقات الله تتلذذ بسماع ترنيماته وتسبيحاته وتردد معه” يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ” سبأ 9. فهناك اصوات قرآنية مشهورة ومعروفة كان لها تأثيرها البالغ على من يستمع اليها حتى من غير المسلمين.
ولعل البعض او الكثير من المسلمين ينتابه في بعض الاحيان الشكوك بشأن سلامة قلبه وصفائه وخشوعه عند سماع ايات الله تتلى عليه خاصة في الصلوات الجهرية، ويلوم نفسه على ذلك. غير ان ثمة اشخاص كثيرون يذكرون ان هناك قارئ ما يتلو القرآن قراءة سليمة وبصوت عذب، بشكل يجذبك ويشدك للصلاة فتخشع فيها ولا تنشغل وانت تصلي. بل تكون مرتبطا تماما بتلاوة القارئ وتخشع لها وتتمنى في نفسك بان يطيل من التلاوة لروح الخشوع التي يستشعرها المصلي خلف ذلك الامام. ويدرك عندها ان قلبه ما زال بخير وانه سليم والدليل على ذلك انه عندما حصل تلاوة عذبة خشع لها. اي ان جهاز استقباله سليم وقد اختبره عندما وجد ارسال سليم هو الاخر وذلك من خلال تلك التلاوة الخاشعة لآيات من كتاب الله الكريم. وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم استمع إلى قراءة أبي موسى الأشعري وأعجب بها دون أن يعلم، فلما علم قال: لو أعلم أنك تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا.
واسوق مثالين في هذا الامر عايشتهما يوضحان ما لجمال الصوت في تلاوة القرآن من تأثير:
قبل اكثر من عقدين من الزمن، بينما كنت مع صديق وقد امضينا يوما متعبا ومجهدا بشكل كبير ورجعنا الى السكن ومعنا طعامنا، وما ان وضعنا الطعام وشرعنا في الاكل حتى اذن المغرب، فقال صديقي وهو شيخ حافظ: نواصل الطعام ثم نذهب فيما بعد للصلاة. لكن سرعان ما سمعنا من مكبر صوت مسجد قريب منا صوتا عذبا خاشعا يتلو ايات من القرآن في الصلاة، فعرضت على صديقي اللحاق بالصلاة لاني لا استطيع ان اقاوم جمال هذا الصوت وعذوبته. وانطلقنا الى المصلى. وبعد الصلاة اخبرني صديقي بانه يعمل في المدرسة التي تضم ذلك المصلى وانه يعمل اماما بها لعدد من الصلوات في اليوم. وحكى لي ان هذا المصلى كان يرتاده عدد قليل من المصلين، لكن بعد مجئ هذا الشيخ ذي الصوت العذب وامامته في الصلاة الجهرية، اكتظ المصلى بالمصلين، حتى امتدت الصفوف الى امامه ثم امتدت الى الشارع الموجود بها. وذلك لعذوبة وجمال صوت الإمام.
وكان مكان المثال السابق القاهرة، اما المثال الثاني فهو هنا في السلطنة. فقبل شهر رمضان المبارك من العام الماضي بعدة أشهر، كنت مع أسرتي في منطقة مرتفعات بوشر. وكان الترتيب هو مغادرة المكان عقب صلاة المغرب. لكن عندما ذهبنا لصلاة المغرب في الجامع هناك، صدح في الصلاة شاب بصوت عذب جميل، يأخذك من قلبك ليجعلك تصعد السماء من جمال وعذوبة الصوت. فكان الاتفاق من الاسرة بان نستمر بالمكان حتى صلاة العشاء حبا في صوت ذلك المقرئ. وزد على ذلك، ان اتفقنا على ان يكون هذا الجامع هو الذي نأتي اليه لصلاة العشاء والتراويح في رمضان. وبالفعل ادينا اغلب صلوات الشهر الفضيل فيه في العام الماضي والعام الحالي ايضا حبا وتأثرا بذلك الصوت القرآني العذب.
وهذا يظهر ان لجمال صوت القارئ اثرا كبيرا وتحبيبا في كتاب الله وزيادة الاقبال على الصلاة والاستماع لتلاوة القرآن الكريم، كتاب الله المعجز في كل انواع الاعجاز من حيث الفصاحة والبلاغة وغيرها. وهو الكتاب الذي يفخر كل مسلم ومسلمة بحمله” وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ “الزخرف44. والذي تكفل الله سبحانه بحفظه ” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” الحجر9. ومن صور هذا الحفظ الاهتمام بالقرآن وحفظه في قلوب الرجال. حيث نجد كثير من المسلمين الذين يحفظون كتاب الله ويتلونه حق تلاوته، وثمة اهتمام كبير بتحفيظ القرآن وحفظه بين المسلمين. والاجتهاد في تبليغ هذا الكتاب الكريم عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما “بلغو عني ولو آية” اخرجه البخاري ومسلم. والصوت الحسن الذي يتلو ايات من القرآن هو واحد من اهم وسائل تبليغ آيات القرآن الكريم.
واذا كان هناك اهتمام بتحفيظ كتاب الله عز وجل والتشجيع على ذلك عبر المسابقات القرآنية في الحفظ والتلاوة، فان جمال الصوت يجب ان يزداد الاهتمام به ويتم التوسع فيه هو الاخر، لما له من اثر على الافئدة والقلوب بما يؤدي في النهاية الى الخشوع الذي ينشده الكثيرون عند سماع القرآن الكريم وخاصة في الصلوات.
واذا كان هناك مسابقات في مجالات مثل الغناء والفن والرياضة وغير ذلك داخل البلدان وعلى مستوى المنطقة العربية مثل برامج المسابقات على الفضائيات في الاصوات الفنية، فانه يجب ان يكون هناك اهتمام اكبر بجمال اصوات قراء كتاب الله. ولا يجب ان يقتصر الامر على مجرد اجراء مسابقات في عذوبة الصوت فقط، وينتهي الامر بذلك. بل لابد من رعاية تلك الاصوات والاهتمام بها. بحيث يمكن لجهة معينة ان تتولاها او ان يقام معهد متخصص في عذوب الاصوات القرآنية يتولى تدريب وصقل مثل تلك المواهب. والعمل على الاستفادة بها في الاذاعة والجوامع والمساجد حتى يعم النفع بها وتذهب الى الوجهة الصحيحة المطلوبة لها. ولا يقتصر الامر على مسابقات واعلان فائزين، ثم لا نعرف مصير هؤلاء الفائزين فيما بعد وبالتالي يكونوا طاقة مهدرة لم يتم الالتفات اليها واستغلالها الاستغلال الصحيح والامثل سيما وان اغلب المسلمين في كل مكان وزمان متعطشين الى سماع تلك الأصوات القرآنية العذبة التي تحرك القلوب وتجعلها تهفو الى كتاب الله عز وجل. واعرف اشخاصا كانوا من شدة تأثرهم بجمال صوت القارئ في الصلاة على سبيل المثال، يقومون بحفظ المقطع القرآني الذي تلاه، فأي فضل وأي أثر أعظم من ذلك؟

إلى الأعلى