السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / السلسلة الرمضانية

السلسلة الرمضانية

محمد بن سيف الشعيلي

الحلقة (7) المقاصد في زكاة الفطر
يرتبط النسيج الاجتماعي في المجتمع المسلم بروابط وعوامل وحدة قوية لا تنفك أبداً عن الملازمة بين أفراد المجتمع المسلم ومؤسساته المدنية والاجتماعية، وللتأكيد على هذه الارتباط الجماعي الوثيق نستقرئ في هذه الحلقة أهم المقاصد التي ترميها الشريعة من تشريع زكاة الفطر.
يقول الله تعالى مؤكداً سيادة روح التعاون التي يجب أن تكون بين العباد:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة ـ 2)، ويقول ـ جلّ وعلا:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة ـ 71).
إن ما تشير إليه الدلالات اللفظية لهاتين الآيتين هو تحقيق أمرين اثنين في محيط وحمى الدين الحنيف، الأول: وجوب التعاون على التقوى، والثاني: وجوب تحقيق معاني الولاية بين طائفة المؤمنين والمؤمنات. والذي نحن بصدده من هاذين الأمرين بيان التوظيف الدقيق لمقاصدهما وأسرارهما القريبة والبعيدة في شأن إخراج زكاة الفطر للصائم وغير الصائم. وصفة تلك الحكم والمقاصد أن الله سبحانه أوجب التعاون بين أمة الإسلام بموجب فعل الأمر (وتعاونوا)، والأمر دال على وجوب تطبيق المأمور به كما هو مقرر لغوياً وأصولياً عند علماء التحقيق. والناظر في الآثار التي تتحقق من دفع المال نوعاً أو قيمة من خلال زكاة الفطر يجد أن وقت هذه الزكاة من أهم الأزمان، وأضيق الأوقات على الفقير والمحتاج، فهو محتاج لوقوف أخيه الغني؛ معينا له في ذلك الوقت ليسعد بنفسه ويُسعدَ بنيه وأهله بالمباحات والملذات ـ كلها ـ التي أنعم الله به على عباده في أيام العيد السعيد. هذا من جانب ضرورة التعاون الذي يجب أن يكون بين جماعة المسلمين في زكاة الفطر زمانا وحالا ومكانا؛ فهو تعاون قصدته الشريعة من هذه الزكاة تعجز عن ضبطه ـ إلزاماً وتوفيراً ـ المؤسسات والدول مهما بلغت تنظيماً وتقنيناً حيث ضيق الوقت المحدد للإخراج والتطبيق، وضمانة الالتزام من جميع الأفراد في التحقيق، فهو إذاً تنظيم إسلامي رباني دقيق في تشريعه، ناجع وبعيد في أهدافه وأسراره، أما الأمر الثاني المتعلق بتحقيق المقاصد من خلال وجوب الولاية بين المسلمين وعلاقة ذلك بتشريع زكاة الفطر فليس أدل على شرحه وبسطه من قوله (صلى الله عليه وسلم):(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فكيف يمكن أن تتحقق المحبة التي تعتبر من آثار معنى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين بدون حب الإنسان الخير من الأكل والمال يوم العيد لأخيه المسلم مثل يحب ذلك لنفسه وذاته! وبالمقابل فإن انتفاء تحقيق صميم الإيمان منعدم من الأفعال القائمة في زمن العيد بدون توفير المسلم لأخيه المسلم ما يسد جوعه، ويسعد محياه وحاله، وهذه الأسرار والمرامي نجدها كذلك في قوله (صلى الله عليه وسلم):(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، حيث لا يمكن تحقيق التعاطف والتراحم والوداد بين أفراد المسلمين بوجود شكاية الفقير والمحتاج والمسكين من عدم وجود ما يقدمه من طعام يوم العيد إذا لم يُحقق إخراج هذه الزكاة، هذا فيما يتصل ببسط توجيه الشريعة وتأصيلها لحقيقة وغايات هذه الشعيرة من خلال النصوص العامة، ودلالاتها الخاصة التي يستنار من خلالها في فهم دقائق التشريع. أما من حيث النصوص الخاصة الواردة في شأن زكاة الفطر فإنها متعددة، وقبلها نشير إلى أن زكاة الفِطر شرعت في السنة الثانية من الهجرة مع فرض صيام رمضان، فقد روى البخاري وغيره عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:(فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين)، فهي محددة المقدار، معينة في الاختيار، مقننة في الأصناف والأسعار، حيث إن وزنها صاع، وهو ما يعادل كليوين وخمسين جراماً بالوزن الحاضر، وتكون في الأصناف الواردة في النص، ومن الأنواع التي يقتات بها المزّكي ـ عادة ـ جودة وكفاية، ومن حيث الأفراد الواجبة عليهم المتقدم ذكرهم بصفاتهم زمن إخراجها المعيّن بغروب شمس آخر يوم من رمضان ممتداً إلى صلاة العيد، فمن كان أو وُجد حياً في هذه الوقت وكان واجداً ما يخرجه وجب عليه أخراجها بصريح النص ودلالة اللفظ. ويبيّن سيدنا ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ المقاصد الجزئية لزكاة الفطر بقوله:(فرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)، وسبق البيان عن وقت إخراجها وهو جلي واضح بصراحة النص، وهنا يشير النص إلى أمرين اثنين عنتهما الشريعة للحفاظ على مقصد حفظ المال ـ وجوداً وعدماً ـ من خلال هذه الزكاة، الأول: التطهير والتنقية اللذان يكونان من المقاصد التحسينية والتكميلية في مقصد حفظ المال، حيث يكملان المقصد الضروري للمال، كما يكملان كذلك المقصد الضروري في الدين عند الالتزام بالصوم، وتكميلهما يترجمه تزين الصيام وتحسينه بما يكون قد عابه من شوائب ونواقص كارتكاب الصائم شيئاً من اللغو أو المخالفات أو الممنوعات إبان صومه، والأمر الثاني المعنيّ في تشريع هذه الزكاة، تكميل المقصد الحاجي والتحسيني للمال من حيث إدخال السرور على أنفس الفقراء يوم العيد، وذلك برفع الضيق والحرج والمشقة الذي قد ينتابهم في ذلك اليوم ما لم تخرج لهم هذه الزكاة في وقتها.
وإلى لقاء آخر يجمعنا ـ بمشيئة الله ـ أستودعكم الله حلاًّ وترحالاً.

إلى الأعلى