الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ثلاثية متلازمة (3)

ثلاثية متلازمة (3)

لا ريب أن ليس في الكون عقيدة صحيحة إلا العقيدة الإسلامية، ويراد بها الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى دينًا لعباده، والذي يستمد من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الثابتة الصحيحة، وعليه فكل عقيدة تخالف ما جاء في كتاب الله تعالى وما جاء في سنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) هي عقيدة باطلة فاسدة.
والعقيدة الباطلة الفاسدة حتمًا، ستولد فكرًا منحرفًا، وستنتج فكرًا مائلاً عن جادة الصواب، وهذا الفكر المنحرف المائل قطعًا، سيولد سلوكًا سيئًا معوجًا، وسينتج تصرفًا طائشًا غير مسؤول، والواقع دال على هذا، وشاهد عليه.
إن أول قضية من قضايا العقيدة الإسلامية هي قضية التوحيد، أي قضية الإيمان بالله تعالى، فإذا حدث انحراف في هذه العقيدة، يحدث انحراف في كل قضايا العقيدة الأخرى، وفي مقدمتها قضية الإيمان باليوم الآخر، كما يحدث انحراف في العبادات، والمعاملات، والأخلاق؛ فالذين يؤمنون بالله ويشركون به شيئًا عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ولا يقدرونه حق التقدير عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ويستهزئون بآياته عقيدتهم منحرفة،، والذين يؤمنون بالله ويشبهونه بمخلوقاته، ويصفونه بصفات لا تليق بذاته العلية عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ولا يبالون بوعيده، ولا يقيمون وزنًا لثوابه ولا لعقابه عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ولا يطبقون أحكامه ويخالفون تعاليمه عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ويذهبون إلى الكهان عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ويقولون لا خير في قرآن ولا خير في سنة بلا فهم لرجالاتهم عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله وينصبون أنفسهم أوصياء على الإسلام عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ولا يقيمون للعمل الصالح وزنًا عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ويزعمون أنهم يدخلون الجنة ولو كان أحدهم زنديقًا ومن يخالفهم يدخل النار ولو كان تقيًا عقيدتهم منحرفة. والذين يؤمنون بالله ويتفقون مع اليهود في عقائدهم وتعاملهم عقيدتهم منحرفة، والذين يؤمنون بالله ولا يراعون للجار حقًا أيًا كان هذا الجار مسلمًا أو غير مسلم، وعلى كل المستويات لا ريب أن عقيدتهم منحرفة، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من هو يا رسول الله فقد خاب وخسر؟، قال: من لا يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه؟، قال: شره).
المحور الثاني: تغيير العقائد
إن تغيير سلوك الإنسان تصحيحًا أو إفسادًا أي من السيء إلى الحسن، أو من الحسن إلى السيء إنما يلزم تغيير فكره أولاً، وهذا يقتضي تغيير عقيدته أولاً، وعلينا أن ندرك أن العقائد لا تُفرض على الإنسان فرضًا، ولا تملى عليه، وإنما تنشأ عن اقتناع يؤدي إلى الإذعان والتسليم، وهذا الاقتناع إنما ينشأ عن دليل، أو تقليد، أي: عن نظر أو اتباع، وهذا الدليل إما أن يكون صحيحاً في ميزان الحق، أو غير صحيح، لكنه عند من يعتقده هو بالتأكيد صحيح، وكذا التقليد إما أن يكون محمودًا أو غير محمود، لكنه عند من يعتقده هو بالتأكيد محمود، وفي هذا السياق، يقول سماحة الشيخ العلاّمة أحمد الخليلي: (فإن العقائد لا يملك أحد أن يفرضها على الناس فرضًا، وإنما هي نتيجة اقتناع بالفكرة؛ سواء كان ناشئًا عن اجتهاد ونظر، أو عن تقليد واتباع) (المصدر: الخليلي: الحق الدامغ ص229 خاتمة الكتاب، طبعة 1409هـ، مكتبة مسقط).
وعليه فإن تغيير عقائد الناس يتطلب منهجًا علميًا يقوم على إقناعهم بفساد عقائدهم، وصحة العقائد التي يدعون إليها، وهذا يتحقق أولاً بمعرفة ودراسة عقائدهم، وما قامت عليه، ثم نقضها وإبطالها بأدلة وبراهين تشكل لدى المتلقي قناعة بفساد عقائده، فإذا ما نجحت هذه الخطوة تخلى الإنسان عن عقائده، وأصبح مهيئا لتلقي وقبول العقائد التي يدعى إليها، بعدها تأتي خطوة التحلي بالعقائد الجديدة، وذلك بعرضها وتقديمها بأدلة وبراهين تشكل لدى المتلقي قناعة بصحتها، عندئذ تحل العقائد الجديدة محل العقائد السابقة، فيتحقق التغيير المطلوب، وهذا يعني أن تخلية الذهن مما استقر فيه من عقائد تسبق تحليته بعقائد أخرى، بمعنى أن التخلية تكون قبل التحلية.
فمثلاً إذا أردنا دعوة الملاحدة بأن يتخلوا عن عقيدة الإلحاد، ويؤمنوا بالله تعالى، علينا أولاً أن نعرف الأدلة التي قامت عليها عقيدتهم، ثم نقوم بدراستها ونقضها، بعدها نقدم لهم عقيدة التوحيد مع أدلتها العلمية، وهي كثيرة جدًا.
فالفطرة والعقل والكون والوحي كلها دالة وشاهدة وناطقة بوجود الله تبارك وتعالى. وللحديث بقية.

يوسف بن إبراهيم السرحني

إلى الأعلى