الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (نفحة رمضانية مباركة) (25)

(نفحة رمضانية مباركة) (25)

أيها الصائمون والصائمات: روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (كفى بالمرء عيباً أن يستبين له من الناس ما يخفى عليه من نفسه، ويمقت الناس فيما يأتي).
إن النفس كم هي خطيرة لما لها من تأثير على حياة الإنسان ومصيره في الآخرة، فقد اتفق علماء السلف على أن النفس قاطع وحاجز بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنك لن تستطيع أن تصل إلى مرضاة الله عز وجل والنجاة يوم القيامة إلا بعد تهذيبها والسيطرة عليها، قال تعالى:(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)، وقال تعالى:(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً).
كم هي خطيرة تلك النفس لأن نتيجة صلاحها وفسادها لا يؤثر على حياة الفرد ومصيره فحسب، بل يؤثر على المسلمين عامة وهذا ما نلمسه في واقعنا فما وصل حال الأمة إلى ما نرى من التدني والتأخر إلا لما تغيرت النفوس وتمردت على شرع ربها ـ إلا من رحم الله.
ففي خضم شؤون الحياة المعاصرة، وكثرة مشاغلها وتعدد متطلباتها، قد ننسى أن نتعاهد أنفسنا بالتربية والتزكية، ومن ثم تقسو القلوب، ونتثاقل عن الباقيات الصالحات، ونركن إلى متاع الدنيا وزخرفها .. لذلك كان هذا الموضوع من الأهمية بمكان ومما يوضح أهمية هذا الموضوع أن الله تعالى أقسم أقساماً كثيرة ومتوالية على أن صلاح العبد وفلاحه منوط بتزكية نفسه، فقال سبحانه:(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 7 – 10)، وقال سبحانه:(قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (الأعلى 14 – 15)، وكان الأنبياء عليهم السلام يدعون إلى تزكية النفوس، فهذا موسى ـ عليه السلام ـ يقول لفرعون:(هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات 18 ـ 19 )، وقال تعالى عن نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم):(وَالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة ـ 2)، وتزكية النفس سبب الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، كما قال عز وجل:(وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى) (طه 75 – 76) أي: طهّر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب.
وكان من دعائه (صلى الله عليه وسلم):(اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) ـ رواه مسلم.
ولن تستطيع أن تصل إلى ما تريد إلا إذا انتصرت على نفسك وكبحت جماحها، قال ابن القيم: لا يستطيع الإنسان أن يحقق المعالي من الأمور إلا بمجاهدة نفسه وجعلها عدوة له، ويقول ابن رجب: النفس تحتاج إلى محاربة ومجاهدة ومعاداة فإنها أعدى عدو لابن آدم فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره واكتفى شرّه، يقول الغزالي: اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خُلِقَتْ أمارةً بالسوء مبالغةً في الشر فرارةً من الخير، وَأُمِرْتَ بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك.
التزكية لغة: الطهارة والنماء والزيادة، والمراد بها ها هنا: إصلاح النفوس وتطهيرها، عن طريق العلم النافع، والعمل الصالح، وفعل المأمورات وترك المحظورات .
وقبل الخوض في تفاصيل وسائل وسبل التزكية لا بدَّ من العلم أن تزكية النفوس لا سبيل إليها إلا عن طريق الشرع المطهر باتباع ما جاءت به الرسل عن رب العالمين ـ جلّ وعلا.
وقد بيّن الله لنا هذا المعنى في قوله تعالى:(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ).
وعلى طريق إصلاح النفس وتزكيتها خطوات لابد أن تحتذى وهي : الخطوة الأولى: لإصلاح وتزكية النفس: هي معرفة موقع النفس ودرجتها، ولقد وصف الله سبحانه تعالى النفس في القرآن الكريم بثلاثة صفات أو قل ذكر لها ثلاث درجات، أما الصفة الأولى: هي النفس (الأمارة)، وهي التي تأمر صاحبها بما تهواه فإن أطاعها العبد قادته لكل قبيح ومكروه، قال تعالى:(إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) فأخبر سبحانه وتعالى عن تلك النفس أنها أمارة وليست (آمرة) لكثرة ما تأمر بالسوء، ولأن ميلها للشهوات والمطامع صار عادة فيها إلا إن رحمها الله عز وجل وهداها رشدها، أما الصفة الثانية (اللوامة)، وهي النفس التي تندم على ما فات وتلوم عليه، وهذه نفس رجل لا تثبت على حال فهي كثيرة التقلب والتلون، فتذكر مرة وتغفل مرة، تقاوم الصفات الخبيثة مرة، وتنقاد لها مرة، ترضي شهواتها تارة، وتوقفها عند الحد الشرعي تارة.
وقد أقسم الله تعالى بها وذلك في قوله:(لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة) قال الحسن: هي والله نفس المؤمن، ما يرى المؤمن إلا يلوم نفسه قائلاً: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه، وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لم فعلته، وعلى الخير لم لا تستكثر منه، يقول الغزالي: إن لازمت نفسك بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولاً بوعظ نفسك، أما الصفة الثالثة فهي النفس (المطمئنة)، وهي تلك النفس التي سكنت إلى الله تعالى واطمأنت بذكره وأنابت إليه وأطاعت أمره واستسلمت لشرعه واشتاقت إلى لقائه، كرهت كل معصية وأحبت كل طاعة وتخلصت من الصفات الخبيثة من الشح والأنانية واللؤم والخيانة واستقرت على ذلك فهي مطمئنة، وهذه النفس هي التي يقال لها عند الوفاة (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني

إلى الأعلى