الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (108)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله، وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـإن أساس إيـمانـك أن تعـطي مما أعـطـاك الله، لـذلك الله عـز وجـل قـال:(الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقـرة 1 ـ 3).
ويحـكي أن رجـلا كان فـقـيراً، وضـاقـت به الحـال في بـلـده، فـقـال الرجـل: فـلـما أنهـيـت الخـدمة الالـزامية ما كـنـت أملك درهـماً ولا دينـاراً، فأخـذت مـن أخـتي سـوارها فـبـعـته، وقـطـعـت تـذكـرة وسـافـرت إلى بـلـدٍ مـا، وبيـنما أنـا في الطـائـرة ما تـكلمـت بلـساني إلا أنه خـطـر في بـالي خـاطـر: لـو أن الله جـبر خـاطـري في هـذه السفـرة لأبنـين لله مسـجـداً، أقـسـم بالله إنه لـم ينطـق هـذا بـشـفـتيه.
ثـم قال: وأكـرمني الله عـز وجـل إكـراما منـقـطـع الـنـظـير، ثـم رجـعــت إلى بـلـدي واشـتـريـت أرضـا مسـاحتها كـبـيرة، وتقـدمـت بـطـلـب رخـصة للـبنـاء وبـناء مسـجـد، فـلـم أحـصـل عـلى رخـصة، وذهـبـت إلـى مسـؤول كـبير هـو المحـافـظ ، فـقال لي: عـمـر ولا بأس عـلـيـك، ثـم عـمـرنا مسـجـداً كـبيـراً ضخـماً.
فإذا طـلـب الإنسان بصـدق النـيـة مالاً، وأعـطـاه الله ذلك الـمال، وكان في نيـته أن يبني لله مسـجـداً أو معـهـداً أو مـدرسـة، أو أن يـنـفـق عـلى طـلاب العـلـم، ولكي ينـشـر الـدعـوة إلى الله، هـذا الغـنى آل أمـره إلى عـبادة الله، فـلم يـكـن غـنى مـطـغـياً ولا غـنى منسـياً، لأنه أدى حـق الله في الـمال.
لأن المـؤمـن الـقــوي خـير وأحـب إلى الله تعـالى مـن الـمـؤمـن الـضـعـيـف، والـمال لا شـك قـوة، ولـكـن هـذا المال يحـتاج إلى نيـة خـالصة وإيمان قـوي، والإيـمان يـفـرز نـية عـالية، والنية العـالية تحـول طـلب الـمال إلى عـبادة.
ومـن دعـاء الإمام عـلي بن أبي طـالب ـ كـرّم الله وجهـه ـ قال:(اللـهـم صـن وجهي باليسار، ولا تـبـدل جـاهي بالإقـتـار، فأسـتـرزق طـامعـاً رزقـك مـن غـيرك، واستعـطـف شـرار خـلـقـك، وأبـتـلي بحـمد مـن أعـطاني، وأفـتـتن بـذم مـن منعـني، وأنـت مـن وراء ذلـك كـلـه، ولي الإجـابة والـمنـع)، قال الله تبارك وتعـالى:( لَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشـعـراء 78 ـ 80).
ويحكى أن امـرأة شـابة أصيـبت بمـرض خـبيـث في الحـنجـرة، وكادت أن تخـتـنـق بسبـب ذلك الـمـرض ، وزارت عـدة مستشفـيات وكانت التحاليـل كلها متـفـقـة عـلى عـدم الشـفـاء، فـرجـع زوجـها بــعـد تـلك التـقـاريـر إلى أحـد الأطـباء الـذين فحـصـوا الـمـرأة الشـابة، وكان هـذا الطـبيـب قـوي الإيـمان، وقال لـه زوجها حـاول لعـل الله أن يجـري عـلى يـديـك الشـفـاء.
فـقال الطـبيـب الـمـؤمـن: أنا سـوف أقـوم بإجـراء محـاولة أخـيرة، ولـكـن الأمـل ضـعـيـف جـداً، وأقامـوا في فـنـدق قـريـب مـن العـيادة، وأجـرى الطـيـب للـمـرأة جـلـسات أشـعـة يـومـياً، وبعـد فــترة تحـسـنـت حـالـتها، وبـعــد ثـمانية أشـهـر تـزحـزح الـمـرض شـيئاً فـشيئاً، وأخـذ شـبح الـمـرض في الـتـقـهـقـر، ثـم أذن الله بشـفائـها تمـاما وعـافـاهـا الله، ورجـعـت حـياتها طـبيعـية وأنجـبـت أولاداً، قال تعـالى:(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشـعـراء ـ 80).
ما نسيء زوج الـمـرأة جـمـيـل الطـبيـب الـمعـالج، فـكان يـأتـيه بالهـدايا عـلى رأس كل سـنة فـقال لـه الطـبيـب: والله لـقـد رددت الجـمـيـل بالجـمـيـل الكـثير فـوفـيـت بـل أكــثرت، فـيقـول لـه الـزوج: والله لـئن أنا مـت، فأولادي مـن بـعــدي يـتابعـون هـذا العـمـل، وفـاء لحـسن صنيعـك، إن الله لا يضـيع أجـر مـن أحـسـن عـمـلاً.
لـقـد قـام الطـبيـب الـمـؤمـن بـعـمـله خـالصا لـوجه الله، ولـم يتـقاضى شـيئاً عـلى عـلاجـها، وكان هـذا الـزوج فـقـيراً جـداً، فأغـناه الله سـبحانه مـن واسـع فـضله قال الله تعـالى في كـتابه العـزيـز:( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق 2 ـ 3).

مـن يـتـق الله يجـعـل له مخـرجـاً: روي أن رابعـة العـدوية كانـت إذا صـلـت العــشاء عـلى سـطـح بيتها، وشـدت عـليها درعها وخـمارهـا شـرعـت في الـدعـاء والتضـرع، ثـم قالت: إلهي قـد غـارت النجـوم، ونامـت العـيـون، وغـلـقـت الـملـوك أبـوابـها، وخـلا كـل حـبيـب بحبـيبه، وهـذا مـقـامي بـين يـديـك، ثـم تـقـبـل عـلى صـلاتها، فـإذا طـلـع الـفـجـر، قالت: إلهي هـذا اللـيـل قـد أدبـر، وهـذا النهـار قـد أسـفـر، فـلـيت شـعـري أقـبلـت مني ليلتي فـأهـنى، أم رددتها عـلي فأعـزى، وعـزتـك وجـلالـك هـذا دأبـي ودأبـك ما أبقـيتـني، وعـزتـك لـو انـتهـرتني عـن بابـك، ما بـرحـت لـما وقـع في نفـسي مـن جـودك وكـرمـك.
ويحـكى أن رجـلاً مـن أصحـاب ذي الـنـون، كان يـطـوف في السكك يـبكي ويـنادي أين قـلبي أين قـلبي، مـن وجـد قـلبي، فــدخـل يـوماً بعـض السـكك فـوجـد صـبياً يـبكي وأمه تضـربه، ثم أخـرجـته مـن الـدار، فأغـلقـت دونه الـباب فـجـعــل الصبي يـلـتـفـت يـمـيناً وشـمالاً ولا يـدري أين يـذهـب، ولا أين يقـصـد، فـرجـع إلى باب الـدار فـوضـع رأسـه عـلى عـتبته فــنام.
فـلـما اسـتـيقـظ جـعــل يبكي ويـقـول: يا أماه مـن يـفـتح لي الـباب إذا أغـلقـت عـني بابـك، ومـن يـدنيني مـن نفـسه إذا طـردتني، ومـن الـذي يـؤويـني بعـد أن غـضـبت عـلي، فـرحـمتـه فـقـامـت فـنظـرت مـن خـلـل الـباب، فـوجـدت ولـدهـا تجـري الـدمـوع عـلى خـديه ، ووجهـه مـعـفـراً بالتـراب، فـفـتحـت الباب وأخـذته، فـوضـعـته في حجـرها وجـعـلت تقـبـله وتقـول: يا قـرة عـيني وعـزيـز نفـسي، أنت الـذي حـملـتـني عـلى نفـسك وأنـت الـذي تعـرضـت لـما حـل بـك، لـو أطـعـتـني لـم تـكـن مـني مـكـروهـاً فـبـكى الـرجـل، وقال: قـد وجـدت قـلبي قــد دار.
وعـن عـبـد الله بن أبي أوفى الأسـلمي قال: خـرج عـليـنا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، فـقـال:(مـن كانـت له حـاجـة إلى الله أو إلى أحـد مـن خـلقـه ، فـليتـوضأ ولـيـصـل ركـعـتـين ثـم لـيـقــل:(لا إله إلا الله الحـليـم الكـريـم، سـبحـان الله رب العـرش العـظـيـم الحـمد لله رب العـالميـن، اللهـم إني أسـألـك مـوجـبات رحـمـتـك، وعـزائـم مغـفـرتـك والغـنيـمـة مـن كل بـر، والسلامة مـن كل إثـم، أسـألـك ألا تـدع لي ذنـبا إلا غـفـرته، ولا هـما إلا فـرجـته، ولا حـاجـة هي لك رضـا إلا قـضـيتها لي، ثـم يـسأل الله مـن أمـر الـدنـيا والآخـرة ما شـاء فإنه يـقـدر) ـ سـنن الترمـذي.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى