الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من صفات المتقين .. المسارعة إلى التوبة والاستغفار (2)

من صفات المتقين .. المسارعة إلى التوبة والاستغفار (2)

أيها القراء في مقال سابق ذكرت لحضرتكم الحديث عن التوبة معنا ها والتوبة في القرآن وفي مقال اليوم نستكمل الحديث عن هذا الموضوع ونبدأه بأنواع التوبة.
أنواع التوبة نوعان: فهناك التوبة الخاصة، وهي التوبة من ذنوبٍ بأعيانها، فيتوب منها ومما هو داخلٌ في نوعها، وأما التوبة من ذنب بعينه مع الإصرار على آخرَ مِن نوعه، فإن هذه التوبة لا تصح؛ كمَن تاب عن الزنا بامرأة، وهو مصرٌّ على الزنا بغيرها، فهذا في الحقيقية لم يَتُبْ من الذنب، وإنما عَدَلَ عن نوع منه إلى نوع آخر، فلا تصح توبتُه، وهذا بخلاف مَن تاب عن ذنب، مع مباشرته آخرَ لا تعلُّق له به، ولا هو من نوعه، فإن توبته تصح فيما تاب عنه كمَن تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلاً، فإن توبته من الربا صحيحة.
وهناك التوبة العامة، وهي التوبة مما يَعلم مِن ذنوبه، ومما لا يعلم وهذه التوبة تقتضي غفرانَ الذنوب كلها، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب، إلا أن يُعارض هذا العامَ معارضٌ يوجب التخصيص؛ مثل أن يكون بعضُ الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حَسَن ليس بقبيح، فما كان لو استحضره لم يتب منه، لم يدخل في التوبة، وأما ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه، فإن التوبة العامة شاملةٌ له.
ما يتاب منه، وهو نوعان: أحدهما: التوبة من ترك الواجبات وفعل المحرمات، وهذا موضع أخطأ فيه كثير من الناس لظنه أن التوبة تكون من فعل المحرمات فقط، فهو عند التوبة لا يستحضر إلا بعضَ ما وقع منها، وقد يكون ما تركه من المأمور، الذي يجب لله عليه في باطنه وظاهره من شُعب الإيمان وحقائقه أعظمَ ضررًا عليه مما فعله من بعض تلك المحرمات.
وهذا يوضحه أن جنس ترك الواجبات أعظمُ من جنس فعل المحرمات؛ إذ قد يدخل في ترك الواجبات ترك الإيمان والتوحيد، ومَن أتى بالإيمان والتوحيد لم يخلَّد في النار، ولو فعل ما فعل، ومَن لم يأتِ بالإيمان والتوحيد كان مخلَّدًا، مهما قلَّتْ ذنوبُه، وذلك كالزهاد والعبَّاد من المشركين وغيرهم، فهؤلاء لا يَقتلون، ولا يزنون، ولا يَظلمون الناسَ، لكنَّ نفس الإيمان والتوحيد الواجب تركوه، فعُوقبوا على ترك المأمور، وهذا معناه: أن العقاب يكون على ترك المأمور، كما يكون على فعل المحظور.
لذا كانت التوبة واجبة من كلا النوعين، قال ابن تيمية: وليست التوبة من فعل السيئات فقط، كما يظنُّ كثيرٌ من الجهال، لا يتصورون التوبةَ إلا عما يفعله العبدُ من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة مِن ترك الحسنات المأمور بها، أهمُّ من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها، فأكثرُ الخلق يتركون كثيرًا مما أمرهم الله به، من أقوال القلوب وأعمالها، وأقوال البدن وأعماله، وقد لا يعلمون أن ذلك مما أُمروا به، أو يعلمون الحق ولا يتَّبعونه، فيكونون إما ضالين بعدم العلم النافع، وإما مغضوبًا عليهم بمعاندة الحق بعد معرفته، وقد أمر الله عباده المؤمنين أن يَدْعوه في كل صلاة بقوله: (هْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ،صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة)، والنوع الثاني: التوبة من الحسنات، فتوبة الإنسان من حسناته على أوجه: أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها، وأن يتوب من إعجابه ورؤيته أنه فعلها، وأنها حصلتْ بقوَّته، وينسى فضل الله وإحسانه، وأنه المنعم بها، وان الرضا بالطاعة دليل على حسن الظن بالنفس، وجهل بحقوق العبودية، وبما يستحق الرب ـ جل جلاله ـ لذا كان أرباب العزائم والبصائر أشدَّ ما يكونون توبة واستغفارًا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها، وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه, فلولا توفيقه ـ سبحانه وتعالى ـ لما قاموا بها، ولما أدوها حق أدائها، وهناك التوبة مما كان يظنه العبد حسنات، ولم يكن كذلك: ومنه الابتداع في الدين، فإن كل بدعة في الدين محرَّمة وضلالة؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم):(وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّهَا ضَلاَلَة …)، ففي هذا الحديث تحذير للأمة من اتِّباع الأمور المحدَثة المبتدَعة، والمراد بها: ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه.
فضائل التوبة:
ذُكِرت التوبة في القرآن الكريم بين دعوةٍ إليها، وترغيبٍ فيها، وثناءٍ على أهلها، في سبعة وثمانين موضعًا، وقد بيَّن سبحانه أن التوبة خير من المواظبة على الذنب (إِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير) (التوبة)ٍ، فأخبر الله سبحانه في هذه الآية أن التوبة خير لصاحبها؛ لما يترتب عليها من السعادة في الدنيا والآخرة، ولما لها من منزلة في الدين، تظهر من خلال فضائلها الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن تلك الفضائل: أن التوبة سبب لمحبة الله عز وجل قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة)، فالله سبحانه وتعالى يحب عبادَه الذين كلما وقعت منهم زلةٌ، أحدثوا لها توبةً؛ لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفةَ الحلم والعفو، والجود والرحمة والكرم، وإذا أحب مَن يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي، فهو في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلةٌ إن كان ذلك يوجد أحبُّ، وفيه أرغب، وبه أرحم وقد ثبت في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلٍ، انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ تَجُرُّ زِمَامَهَا، بِأَرْضٍ قَفْرٍ، لَيْسَ بِهَا طَعَامٌ وَلاَ شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟)، قُلْنَا: “شَدِيدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ”، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَمَا وَاللَّهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، مِنْ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ)ِ إنها سبب لتبديل السيئات حسنات، قال تعالى:(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمأ) (الفرقان)، وإنها سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات، قال تعالى:(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه)، وإنها سبب لدخول الجنة، قال تعالى:(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يلقون غيا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا )(مريم).
فلنحرص علي التوبة والاستغفار لننال كل الخيرات من واهب الرحمات ونفوز بالجنات مع الصالحين والصالحات.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى