الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (25)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (25)

معرفة مقاطع الكلام:
إن مقاطع الكلام هى التى يحسن أن يقف عندها الخطيب، فيتنفس، ثم يواصل كلامه، وإن معرفة المقاطع ومراعاة الموقوف عندها، أمران لازمان لكل خطيب، حتى لا تلتبس المعاني على السامعين وإن لهما ـ فوق ذلك ـ أثراً واضحا ً فى تيسير الفهم لما يلقى عليهم.
إن طائفة ممن يقرأون الخطب من الورق لا يراعون مقاطع الكلام، ويكثر هذا منهم إذا لم تكن الخطب من تحريرهم، ويتفاقم الخطر فيما إذا كانوا غير فاهمين لما يعنيه كاتب الخطبة، ومن هنا يضطرب فهم السامعين أو يعسر على الأقل.
فإذا أراد أحد أولئك الخطباء أن يقرأ مثل هذا الكلام:(وهل كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المذكورون في الخير الا شباباً؟ شباباً والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة).
ربما قرأه مقطعاً بأوقاف رديئة على النحو التالي:(وهل كان أصحاب رسول الله المذكورون) في الخير الا شباباً .. شباب والله مكتهلون، في شبابهم غضيضة عن الشر، أعينهم ثقيلة عن الباطل، أرجلهم أنضاء عبادة).
وهكذا يتبين الفرق الشاسع بين جمال المعنى، ونصاعة التعبير، المتوفرين في الكلام، وبين ما لحقهما من تشويه فظيع، لعدم ادراك الخطيب لما يجب عليه من معرفة مقاطع الكلام، والالتزام بالوقوف عندها.
القدرة على التصرف البيانى:
الخطيب المحنّك هو الذى استكمل تدربه على التصرف البيانى بسهولة، فيستخدم الايماء حيناً، والاشارة حيناً، والتصريح ببعض الصفات الجارحة حيناً، كما يستطيع أن يلطّفها، فيدفع أصحابها إلى التخلّى عنها بسهولة، وأن يختار من البيان ما يتناسب مع كل موقف.
فإذا ذكر مثلاً بعض التصرفات التى يوصف أصحابها عادة بأنهم أغبياء، استطاع أن يصفهم بأنهم في حاجة إلى قدر من الانتباه، ليرتفعوا إلى ما تطمح إليه الهمم العالية من مقامات الكمال.
وإذا أراد وصف الأغنياء المحجمين عن البذل بأنهم أشحاء بخلاء، أو بأنهم قد استجابوا لنداء الشيطان الذى يعدهم الفقر، ويأمرهم بالفحشاء، كان يستطيع أن يصفهم بأنهم أناس شغلتهم فضيلةعن فضيلة، هؤلاء قد اشتغلوا بالكسب ، فأعفوا نفوسهم من الاحتياج، وأراحوها عندما اتبعوها، ولكنّ هذه الفضيلة العظيمة قد شغلتهم عن اكتساب فضيلة أعظم، وهي الاعلان عن شكر الله ببذل القليل مما أنعم الله عليهم ، فنفعوا المحرومين من اخوانهم، ثقة بأن ذلك هو الكسب الأعظم، وهو الذى سيجدونه مدّخراً عند الله سبحانه.
وهكذا يتبين الفرق بين المنهجين وبمثل هذا التصرف يمتلك الخطيب عنصراً من أهم عناصر التأثير.
فقه الخطيب:
لاشك أن قول النبي (صلى الله عليه وسلم):(إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) دليل على أن الفقه من صفات الخطيب، وأعظم الفقه وأهمه في حق الخطيب ما كان متعلقاً بالإمامة وأحكامها والخطابة وآدابها.
لذا حرصنا ومن خلال هذا الكتاب على التذكير بأهم المسائل الفقهية التي يجب على الخطيب مراعاتها والتفقه فيها، وقد وقفنا على بحوث قيمة سطرها العديد من العلماء في هذا المجال، وهاأنذا ومن باب تعميم الفائدة أبين جانباً مما يجب على الخطيب أن يعرفه من فقه الخطبة والجمعة.
وسوف نبين في ما يلي بعض العناصر التي يجب على الخطيب أن يراعيها في خطبته وهي:
1 ـ الأخلاص: فالذي ينبغي للخطيب في ذلك أن يكون منشأ الخطبة والسعي إليها وطلبها، من باب الإخلاص لله عز وجل، وتبليغاً للدين، ودعوةً إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، عملاً بقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(بلغوا عني ولو آية)، ولكن هذا العمل لا يتم قبوله بعد الإخلاص لله عز وجل إلا بمتابعة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فهذان هما شرطا قبول العبادة لقوله تعالى:(ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) (هود ـ 7)، قال الفضيل بن عياض:(أي أخلصه وأصوبه)،
واعلم بأن الأجر ليس بحاصل إلا إذا كانت له صفتانِ: لابد من إخلاصه ونقائـــه وخلوه من سائر الأدران وكـذا متابعة الرسول فإنـها شرط بحكم نبينا العدنـان.
ماذا تقرأ في صلاة الجمعة؟
يحرص بعض الخطباء عن حسن نية أن يقرأ في صلاة الجمعة آيات تتناسب مع موضوع خطبة الجمعة، وهذا خلاف السنة وإن كان عن حُسن نية، فإن الأكمل اتباع سنته، وقد ثبت عنه (صلى الله عليه وسلم) عند مسلم أنه كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة في الركعة الأولى، وسورة المنافقين في الركعة الثانية، أو يقرأ في الأولى سبح ، وفي الثانية الغاشية.
فيتبين من هذا أن ما يفعله بعض الخطباء خلاف السنة، وكذلك الاقتصار على بعض السورة، أو يقرأ إحداهما في الركعتين. وهذا خلاف السنة. قال ابن القيم:(وجُهّال الأئمة يداومون على ذلك)، يقصد بذلك من يقرأ بعض السورة أو يقرأ إحداهما في الركعتين.
ولكن هذا الكلام من ابن القيم، يحتاج إلى تدقيق ومتابعة، فإن الآيات عندما تكون مناسبة للموضوع الذي تطرق إليه الخطيب فإنها أشبه ما تكون بالدليل على صحة ما يقول،بل إني أحسب أنها كالخاتمة الجيدة لموضوعه،وربطاً للناس بما سمعوا، والثابت من فعله (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يقرأ ما يناسب الموضوع الذي يتكلم فيه، وذلك ثابت في العديد من خطبه ومن أراد الرجوع إلى دليل فليرجع إلى خطبة الوادع وإلى خطبته (صلى الله عليه وسلم) في نصارى نجران عندما قرأ (صلى الله عليه وسلم) عليهم في نهاية خطبته قوله تعالى:(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك به شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (آل عمران ـ 64).
تنبيه المصلين إلى بعض الأمور أثناء الصلاة:
يغفل بعض الخطباء ـ وفقهم الله ـ عن التنبيه للداخلين إلى المسجد بعد خروج الإمام وخاصة الذين يجلسون ولا يصلون ركعتين، والأولى للإمام أن ينبه على ذلك إذا رأى أحداً دخل فجلس دون أن يركع ركعتين، ودليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال:(جاء رجل والنبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له:(أركعت ركعتين؟) قال: لا، فقال: اركع)، خلافاً لمالك وأبي حنيفة وغيرهما ممن قالوا: لا يصليهما واحتجوا بالأمر بالإنصات للإمام ولكن هذا القول خلاف الأحاديث الصحيحة الثاتبة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) كقوله:(إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) (رواه مسلم).
وقد أفتى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة (أنه يشرع للداخل في المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ولكن بعد جلوسه ينهى عن القيام للصلاة حال الخطبة) ـ (من كتاب الفتاوى ـ ص 133).
قصر الخطبة وطول الصلاة:
هذه مسألة مهمة يغفل عنها جمهور الخطباء إلا من رحم الله، ألا وهي مسألة قصر الخطبة وطول الصلاة، فالناس فيها بين الإفراط والتفريط إلا من رحم الله، فبعضهم يطيل إطالة مملة، وآخرون يقصرونها قصراً مخلاً، وسبب ذلك هو عدم فهم الحديث الصحيح.قال أبو وائل: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ. فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست ـ أي أطلت قليلاً! فقال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ـ أي علامة ـ فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً) (رواه مسلم)، قال النووي:(المراد بالحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين) ، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال:(كنت أصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً. قال النووي: (أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق) ولأجل أن نصل إلى تحديد تقريبي من حيث طول الصلاة وقصر الخطبة بالتوقيت العصري فأقول لو قرأت في صلاة الفجر بالجمعة والمنافقين قراءة متأنية لأخذت الصلاة منك ما لا يقل عن عشر دقائق، وقد جربت ذلك فوجدته كذلك، وهذا كله إذا قرأت حدراً، فكيف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وهو ينفذ أمر ربه (ورتل القرآن ترتيلاً) (المزمل ـ 4) وكان يطيل الركوع والرفع منه، والسجود والجلوس بين السجدتين حتى قال الراوي: حتى يقول القائل: إنه نسي، فإذا كان الأمر كذلك فقد تصل الركعتان بالنسبة لمن أراد أن يطبق صلاة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى عشرين دقيقة على الأقل، فيكون قصر الخطبة بالنسبة إلى الصلاة أقل من عشرين دقيقة. هذا على سبيل المثال، وإلا فخير الأمور الوسط كما قال جابر بن سمرة ـ رضي الله عنه ـ في الحديث السابق.
قلت: فالعجب كل العجب من بعض الخطباء الموصوفين بالعلم. كيف يطيلون الخطبة حتى يتجاوز بعضهم الساعة أو أقل قليلاً؟ ولربما قال الناس: ليته سكت؟ ومن هنا يظهر الفقه الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث، وعلى كل الأحوال فإن الخطيب يجب أن يراعي مقتضى الحال كما أوضحنا مسبقاً وأن تكون خطبته خالية من القصر المخل أو الطول الممل .. يتبع.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى