الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (22)

مفاتيح أبواب معارف القرآن الكريم (22)

تقدم بنا الحديث في الحلقة السابقة عن وجود عناصر مهمة في النفس البشرية، والتي تركبت عليها خلقة الإنسان، وهذا العنصر من أهم عناصر فهم القرآن الكريم، وقد اصطلحنا عليه بالعنصر الفطري أو عنصر الفطرة الإنسانية.
وهذا العنصر لو لاحظناه بنحو تفصيلي فسنجده يتشكل من مجموعة من الأبعاد، ويمكننا أن نصنفها الى قسمين اساسيين:القسم الأول: البعد العقلي والقسم الثاني: القسم الوجداني.
ولا اريد التعرض الآن الى قسم آخر وهو القسم الحسي، لانه في نهاية الامر اداة من الادوات التي تعتمد عليها الإنسان في تعامله مع المحيط.
فأما القسم الأول فهو القسم العقلي .. فإن أهم ما فيه أنه العنصر المشترك الاساسي بين جميع الناس قاطبة وعلى الإطلاق، والذي يمكن من خلاله إجراء التحاور الحضاري، الذي لا يعرف في ساحته حدود الزمان والمكان والنوع.
فلغة العقل لغة عالمية بل حضارية بشرية، ولما ان جاء القرآن الكريم فإنه اتخذ العقل ومتبنياته الفطرية الضرورية جسراً لاجراء الحوار بينه وبين قريش، وبينه وبين النصارى، وبينه وبين اليهود، وبينه وبين كل إنسان تعامل معه.
بل ونجد القرآن الكريم متجاوزاً لمنطقته المحدودة بزمان ومكان الى منطقة اوسع منها لتشمل كل الازمنة والامكنة، فلذا يعد الخطاب القرآني خطاباً عقلياً شمولياً حضارياً.
فلكي نفهم القرآن الكريم فان اهم مفتاح ينبغي الوقوف عنده هو العقل، وما بني عليه هذا العقل من مبانٍ منطقية، فطرية، ضرورية، والتي لا تقبل اي خلاف بين بني البشر.
وقد بينا في الحلقة السابقة ان اهم قاعدة عقلية مسلمة بين جميع البشر على الاطلاق هي قاعة (استحالة اجتماع النقيضين)، وهي قاعدة اساسية اعتمدها القرآن الكريم في اقناعة للآخرين بما يحمله من المفاهيم الحضارية وكذلك استخدمها في نقاشه، وحواره، وفي احتجاجه، وفي اثباته، وفي برهانه، وفي كل ما هنالك من أدوات الحوار الموضوعي، الهادف.
وقد عبر عن هذه القاعدة الاعلام بـأنها أم المسائل العقلية، حيث ترجع جميع القضايا العقلية اليها اذ نجد وجود مجموعة من القضايا العقلية تتفرع من هذه القاعدة الاساسية، من قبيل: الكل اعظم من الجزء وهكذا ..

ومن هنا وقع بحث العلام في اثبات المدركات العقلية، والى ما تنقسم اليه، فقالوا: انها تنقسم الى قسمين، القسم الاول: المدركات البديهية، والقسم الثاني: المدركات النظرية.
فالاولى التي يصدق بها الذهن البشري من دون حاجة الى عملية تفكير وكسب ونظر، والثانية: التي تحتاج الى بحث ونظر، من قبيل قضية العالم حادث، وان مجموع زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين.
وهناك الكثير من الأقسام العقلية التي اصطلح عليها، ومنها تفرعت الكثير من العلوم، واعتمدها البحوث العلمية والتجارب البشرية.
والقرآن الكريم أكد على من خاطبه ووجه اليه كلامه ان يقوم بأعمال عقله في كلامه، وفي مفاهيمه التي يطرحها، وفي احكامه، وفي براهينه، وفي استدلالاته، وفي المقدمات التي يعتمدها في ايصال المعلومة والمعرفة.
وكان طلب القرآن الكريم لاعمال العقل متوجها الى غير المسلمين والى المسلمين على سواء، لانه خطاب عام شامل يشترك فيه كل إنسان على الاطلاق كما بينا ذلك.
والآن لننظر الى بعض الآيات القرانية التي فيها مثل هذا التوجيه القرآني للانسان الى اعمال عقله، قال تعالى:(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (النساء ـ 82)، وهنا يرد هذا التساؤل .. ما علاقة التدبر في النتيجة التي تترتب عليه والتي قد صرح بها القرآن الكريم بأن التدبر في الايات المباركة سيقود الانسان الى حقيقة مهمة وهي: انه من عند الله تبارك وتعالى أولاً، وان لو كان من غيره لما وجدوا فيه فيه اختلافاً فقط، بل لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
ولسنا هنا بصدد البحث في مفهوم منطوق الآية المباركة، فهذا له بحث مستقل، ولكننا نذكر من باب الشاهد ما جاء في كلمات المفسرين حول هذه الاية المباركة.
فقد جاء في تفسير معنى التدبر: قال العلامة الشيخ الطوسي في التبيان (3 ـ 271): (والتدبر هو النظر في عواقب الامور .. ثم قال: التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب)، وقال السيد الخوئي في كتابه (البيان في تفسير القرآن ـ 57):(وهذه الأية تدل الناس على امر يحسونه بفطرتهم، ويدركونه بغريزتهم، وهو أن من يعتمد في دعواه على الكذب والافتراء لا بد له من التهافت في القول، والتناقض في البيان، وهذا الشئ لم يقع في الكتاب العزيز، والقران يتبع هذه الخطة في كثير من استلالاته واحتجاجاته، فيرشد الناس الى حكم الفطرة، ويرجعهم الى الغريزة، وهي انجح طريقة في الارشاد، واقربها الى الهداية، وقد احست العرب بهذه الاستقامة في اساليب القرآن، واستيقنت بذلك بلغاؤهم ..).
وقد استدل العلامة الفخر الرازي في تفسيره على خلو القرآن الكريم من الاختلاف على كونه معجزة ، فقال في الجزء (26 : 268):(ومثل هذا الكتاب اذا خلا من التناقض كان ذلك من المعجزات) .. وللموضوع تتمة.

هلال اللواتي

إلى الأعلى