الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (3)

البِنية الصرْفية ودورها في كشف الدلالة القرْآَنية (3)

لن نتوقف هنا إلا عند قول الأختين لموسى وردِّه عليهما، إنه يمثل أعلى مراتب الحياء، وسنرى كيف شُخِّصَ الحياءُ لغوياً، وكيف جاءت عباراته وكلماته لترسم بحقٍّ كمال فضيلة الحياء، وكيف تمثَّل احمرار الوجه والخجل لغوياً.
والحياء هو قلة كلام يدفع إليها أدبٌ جَمٌّ، وتربية صالحة، وخلق حسن، وخصوصاً عندما يتأتَّى من بنات الأنبياء والصالحين، ويخاطِبون أنبياءَ وصالحين، وسنجد هذا الحياء قد شُكِّلَ لغوياً بقصر الجملة، والاقتصار منها على عناصرها الأساسية، وأركانها الأولية التي لا تقوم إلا بها، فيُحذَف المفعولان، ويُؤتَى بالأفعال اللازمة، التي لا تتعدى أصلاً، وفي كل جملة اسمية أو فعلية يقتصر فيها على الركنين الأساسيين فقط الذي ينهض بمعناها، وكأن الجملة استحيتْ هي الأخرى، وتضاغطت كلماتها، وتداخلت ألفاظها، وانزوت خجلا وحياء، نرى ذلك في الأفعال:(يسقون ـ وتزودان) حيث لم يؤتَ بمفعولي (يسقى)، ولا بمفعول (يزود)، كلُّ ذلك داخل في مفهوم ودلالة الحياء، وعندما تكلم موسى ـ عليه السلام ـ قال جملة حييَّة مختصرة:(ما خطبكما)؟
أوجز ، واقتصر على المبتدأ والخبر لأنه يكلم فتاتين محترمتين لا تختلطان بالرجال، وتعرفان آداب الوجود في مجتمع الرجال، فاستحيا حتى إنه قال كلمتين فقط:(ما خطبكما)، وكأنه يتآكل حياء، ويتداخل نبلاً وخلقاً، فماذا كان رد الفتاتين الحييتين؟
بادلتاه في نفَس واحد:(قالتا لا نسقى)، أي تكلمتا في نفس واحد حتى إنه لم يعرف مَنْ تكلمتْ منهما، (قالتا) جعل ألف الاثنين تعبر عنهما معا، كأنهما بدأتا في لحظة واحدة، وانتهتا في لحظة واحدة، ثم إنهما حذفتا المفعولين، فلم تقولا:(لا نسقي إبلَنا ماء) ذلك لأن السياق يوضحه فلا داعيَ، وهُنَّ الحيِيَّات التقيَّات لأن يقولاه، وحذفاه معاً، ثم زادا فقالا:(وأبونا شيخ كبير)، أي ذكرتا له الضرورة الشرعية المُلْجِئَة لهما للخروج، وأهل الدين والخلق يقدِّران هذا الحياء النادر، ويعرفون كم يكلف صاحبه، فالفتاتان ذابتا في بعضهما، وتآكلتا، حتى إنهما معًا قالتا، والعبارة الأولى فعلية منفية:(لا نسقى) محذوف مفعولاها، ثم عبرا بعد ذلك أيضا بالفعل اللازم القاصر غير المتعدِّي (حتى يُصْدِرَ الرعاءُ) أي: حتى يخلوَ المكان من الرُّعْيان والإبل، فلا مجال للاختلاط، ولا يجوز لنا ذلك، ثم جاءت الجملة الاسمية البسيطة:(وأبونا شيخ كبير)، وكلمة “شيخ” صفة مشبهة، أي أكلته الشيخوخة، حتى تقوس ظهره، وخلا فمه، وصار يمشي على أربع، ووصف (شيخ) بقولها:(كبير)، وهي كذلك صفة مشبهة ليُظِهرا أنه طاعنٌ في السن، ولا يستطيع حراكا، ناهيك عن الخروج، وسوْق النوق، والبقر والغنم، وتعقبها إذا شردت، والدخول في أتُون الزحام، والأرض التي تعُجُّ بالماء والطين، ونحو ذلك مما هو مشاهد معروف عند مَسْقَى الغنم والإبل .. وغيرها.
لكن بِمَ واجههم النبيُّ موسى ـ عليه السلام؟!، لم تمهل الآية كثيرًا حتى قالت حديثه الذي ورد بفاء العطف التي تفيد الترتيب والتعقيب:(فسقى لهما) أي: عاجل موسى هاتين الفتاتين بالسقي لهما، ولم يفكر لحظة في مال يأخذه منهما أو مقابل يسأل عنه، مع احتياجه الشديد إلى المال، ولو أخذ منهما مالا على تعبه لما كان متجنِّيًا عليهما، وإنما قال القرآن بعدها مباشرة: (فسقى لهما)، ولم يكمل الجملة، أي لم يأت بالمفعولين كما لم يأتيا به سلفا، فلم يقل: (فسقى لهما الإبل ماء)، ولم يتكلم معهما، ولم يستغلَّ حاجة البنتين، ويذكر أنه فلان بن فلان، وأنه يأتي هنا تباعًا في ساعة كذا وكذا، ولم يظهر مهاراتِه أمامهما ليستميل عاطفتهما، كما يفعل بعضنا في مثل هذه المواطن والمواقف، ولم يستعرض عضلاتِه أمام البنات الحيِيَّات، لكنه مباشرة سقى، وكما حكى القرآن الكريم:(ثم تولى إلى الظل)، فقال مناشداً داعياً مخاطباً ربه: (ربِّ إني لما أنزلتَ إليَّ من خير فقيرٌ) خاطب ربه، فأسهب هنا، وأتى بعدة أساليب، منها النداء (ربِّ، أي يا ربي)، ومنها التوكيد (إني ..)، وتقديم ما حقه التأخير(لما أنزلت إلي من خير فقير)، فأطال الحديث مع ربه، وأسهب في الكلام.
ثم جاء الخير له عاجلا:(عمل وزواج)، قال القرآن الكريم:(فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ..) إلى أن قال له شعيب ـ عليه السلام:(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص ـ 27).
والشاهد هنا أن الحياء تشخَّص أمامنا لغويا في جملة من الأثواب اللغوية الحيِيَّة، في: قِصَر الجملة، وحذف أركانها، واقتصار بعضها على الأركان الأساسية لها، وهذا حدث من كل طرف (من المتحدث، ومن المخاطب ). فيا لها من لغة كريمة عبرت عن الحياء خير تعبير!، ويا لها من تراكيبَ قرآنية ترسم لنا المعنى والدلالة التي سيقت لها بأسلوب راقٍ دالٍّ على عميق المعنى، وجليل المفهوم!.
والنموذج السادس: قوله تعالى:(يوم يدعُ الداعِ إلى شيء نكر)، حيث جاء الرسم المصحفي لبِنْية الفعل محذوف اللام، مع عدم وجود الجازم، ومعلوم أنَّ لام المعتل تُحذَف إذا تقدمها جازم، وهنا لم يتقدم جازم حتى تحذفَ ، كما أن اسم الفاعل هنا: (الداع) حذفت منه هو الآخر لامه، مع أنه معرَّف، والقاعدة أن ياء المنقوص تبقي في آخره لا تحذف إذا عُرِّف أو أُضِيفَ، وهنا هو معرَّف، لكن ياءه التي كانت واواً، وقُلبت ياء لتطرفها إثر كسر، حُذِفت، مع تعريفه، ورسم المصحف رسم توقيفي، لا توفيقي، فما السبب إذن في مجيء كلٍّ من بنية الفعل، واسم الفاعل محذوفتي الآخر؟.
لعل حذف الأواخر ورد هنا ليتناغم مع سياق الآيات التي تتحدث عن أحداث يوم القيامة، وخروج الناس سراعا إلى نُصُب يوفضون، مهطعين إلى الداعي، وكلٌّ يفر من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، يومٌ تتطاير فيه الصحف، والجميعُ منشغلٌ بهمِّه، وعمله، ويوم يتذكر الإنسان فيه ما سعى، والجميع تراهم كالسكارى، وما هم بسكارى، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، يوم يتذكر الإنسان وأنَّى له الذكرى، يوم تُعرَضون لا تخفى منكم خافية، هنا، الجميع يجري، ويسرع نحو الداعي، فتنقلنا البنية القرآنية نقلة مرئية ، وكأنها تذاع على الهواء مباشرة لشيء من أعمال اليوم الآخر، الذي هو كخمسين ألف سنة مما تعدُّون، حتى إنَّ أحرف الكلمة هي الأخرى من هلعها وخوفها، ووجلها ورُعبها تساقطتْ حروفُها، وهي لا تدري، ولا تريد أن تدري، فهي من الهلع بحيث نسيتْ أجزاءَها، وهي مهطعة هي الأخرى لتلقى حتفها، وتنظر حالها، ووضعها، فكأنَّ القرآن بهذا الحذف، في هاتيك البنية قد أوْجَدَنَا في مشاعر وأوضاع وأحاسيس اليوم الآخر، فكلنا مشغول مشغول، مهموم بنفسه ومصيره مهموم، لا يرى من حوله حتى اللفظ يَسَّاقَط خوفا، ويتقطع هلعا، وتذهب بعض أجزائه فيتركها، لا يعوِّل، ولا يعرِّج ليأخذها قائلاً، وهو باكٍ منتحب:(اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ .. اللهم سلِّمْ سلِّمْ).

د. جمال عبد العزيز أحمد*

إلى الأعلى