الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الاعجاز في الميراث الاسلامي (1)

الاعجاز في الميراث الاسلامي (1)

عزيزي القارئ: القرآن هو مصدر التشريع الأول في الإسلام, ولقد احتوى على تشريعات حكيمة وأحكام قويمة تقي الإنسان من التخبط في حياته, رحمة من الله وفضلاً منه على هذا الانسان, وتحقيقاً لسعادته في الدنيا والأخرى.
آيات الميراث: قال الله تعالى:(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (النساء 11 ـ 12).
وقال ربنا جل وعلا:(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النساء ـ 176).
لم يوكل الله سبحانه وتعالى تقسيم الميراث إلى عباده بل قام بنفسه سبحانه وتعالى ببيان كل تفاصيله وبدقة اعجازية عالية حتى لا يكون عرضة للتبديل أو للتغيير الناشئ من الاجتهاد في الإجمال ما لو كان مجملاً, وحتى لا يتنازع الورثة في الميراث, ولا يتعدى بعضهم على بعض, فالمسألة مسألة تملك المال المحبوب لدى كل بشر, فإذا كان هناك دستور يحكمهم ويرضى به الكل, تآلفت القلوب حوله, وأخذ كل واحد نصيبه المشروع له, وتلاشت العداوات.
إذن يلاحظ أن اشتراط رضا الوارث والموروث في انتقال الميراث غير مشروط, بل أن توزيعه الحتمي قام بإرادة الله وحده, فهو رباني خالص, وهذا الملك الوحيد الذي ليس بحاجة في نقله من طرف إلى آخر, إلى موافقة طرفيه ـ وهما الوارث والموروث ـ ورغم ذلك فإن الضمير الإسلامي لدى المسلمين المستجيب لأمر الله, جعلت تنفيذه سريعاً وبمحبة وبرضا.
ومما يؤكد ربانية الميراث الإسلامي, أن الله سبحانه وتعالى لم ينقل أحكامه من الأمم السابقة ولو حكماً بسيطاً, بل أبدعه سبحانه بقدرته وعلمه, كذلك لم يرق أي نظام بعد الإسلام إليه, وهم قد أعملوا كل عقولهم وجهودهم لتلافي كل المشاكل الاجتماعية والمالية العالقة بالميراث, ومع ذلك لم يفلحوا, بل بقى هناك فجوات عميقة, بين الهدف والحاصل, أولدت مشاكل مقلقة, بينما نجد عدم حصول هذه المشاكل في الميراث الإسلامي, بل به تحققت النعم وسادت الألفة والمحبة بين أفراد الأسرة, وأوجدت الحلول لكل مشاكل الميراث الموجودة لدى الأمم السابقة واللاحقة, ويجدر الذكر أن أقرب الأنظمة الوراثية إلى الميراث الإسلامي هو القانون الفرنسي.

إن الناظر إلى الميراث الإسلامي يجد أن فلسفته تقوم على مبدأين وهما عبارة عن غريزتين فطريتين لدى الإنسان: الأول حق الإنسان في التملك, والثاني: حق القريب في تركة قريبه المتوفى وهذا شعور إنساني, ولعل كان عوناً له في جمع التركة في حياته, وإن الصفات الوراثية قائمة بين الأقارب, لذلك كان ادعى أن يورث القريب مال قريبه ويكون مقدار ما يرث منه بمقدار قربه منه غالباً.
وقد تنفيذ هذين المبدأين بمراعاة قيم العدل والمساواة والرفق ورفع الحرج, فلا تراه يقدم عرقاً على آخر, ولا ذكراً على أنثى, ولا كبيراً على صغير, ولا غنياً على فقير, ولا بعيداً على قريب, ولا قريباً على من هو أقرب منه, فالكل أمام الله سواء, بلا محاباة, والله منزّه عن العواطف النفسية, هذا الصغبة الربانية انعكست على نفوس المسلمين , فجعلتهم ينفذون أحكام الميراث وبسرعة فائقة, وبرضا تام, لأنهم يعرفون أنه الأصلح لهم, لأن أحكام التشريع الإسلامي منوطة بمصالح الإنسان, ودفع المفاسد عنه, والله هو أعلم بمصالحنا, وبمفاسدنا.
لذلك في نظام الميراث الإسلامي روعي تحقيق مصالح الإنسان فرداً وأسرةً ومجتمعاً, , فاهتم بتوزيع ثروة الميت, دون تركيزها في يد واحدة, أو في يد فئة من الأقارب دون غيرها, بل جعل المال يدور ويتداول بين الأقارب ثم منهم إلى أقارب الآخرين, وهكذا في سلسلة متفرعة وممتدة لا تنتهي, فقد روعي في الميراث ثلاثة مقاييس هي قوة القرابة بين الوارث والموروث, والعبء المالي على الوارث, وتقديم الجهة المستقبلة على الحياة على المدبرة عن الحياة, وذلك بتوازن دقيق بين الثلاثة, وبتكامل دون نقض بعضها لبعض, وجمعها كافة لتحقيق قيم كثيرة جداً, دون غفل لبعضها عن بعض, هذا الانسجام التام الكامل , يستحيل على البشر معرفته وتحقيقه كله, مما جعل البشرية عاجزة عن التشريع كمثله, فضلاً عن قدرتها على التشريع بأفضل منه, وهذا محال أن يكون, لأن الميراث الإسلامي هو الأفضل والأكمل, لذلك مما دل ذلك على أن هذا التشريع لا يكون إلا من عند الله العليم الحكيم, أي أنه معجز.

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى