الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قصص الأنبياء للأطفال

قصص الأنبياء للأطفال

عيسى ـ عليه السلام
عاشت السيدة مريم ابنة عمران في بيت المقدس وأعد لها نبي الله زكريا محراباً تتفرغ فيه للعبادة .. مكثت السيدة مريم في محرابها وتلقت دروس الدين على يدي نبي الله زكريا ـ عليه السلام ـ فعلمها الصلاة والصيام، وأفهمها تعاليم التوراة، وترعرعت الفتاة في تلك البقعة الطاهرة، وأدرك زكريا ـ عليه السلام ـ أن مريم نالت درجة عالية عند ربها حين وجد عندها فاكهة من ثمار الجنة.
كبرت مريم وترعرعت في بيت المقدس حتى أصبحت شابة ناضجة، وأوحى الله إليها:(.. يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (آل عمران ـ 45).
تساءلت مريم:(.. أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) (آل عمران ـ 47).
كيف يحدث هذا وأنا لا زوج لي ولم أك مذنبة ولم أفعل فاحشة قط؟!.
طمأن جبريل ابنة عمران وهدأ من روعها وأخبرها أن ذلك شيء يسير هين على الله لأنه أراد أن يجعل من عيسى آية تدل على قدرته كما خلق آدم بلا أب ولا أم.
وأضاف جبريل:(.. كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران ـ 47).
وبشر جبريل السيدة مريم بأن ابنها عيسى سيبعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل، وينزل عليه كتاب الإنجيل فيه حكم ومواعظ لقومه فقال:(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ..) (آل عمران 48 ـ 49).
دارت في رأس مريم خواطر عديدة .. فماذا سيقول بنو إسرائيل حين يعلمون بالأمر؟!، وهي قد وهبت حياتها للعبادة.
مرت فترة الحمل سريعاً، وبدأت مريم تشعر باقتراب الوضع، فلجأت إلى نخلة في الصحراء، وأسندت جسمها المتعب إليها ولم تمض لحظات إلا ووضعت مريم الطاهرة طفلها عيسى، وأحست كأن الدنيا تدور بها .. أتفرح بوليدها أم تحزن؟!.. وماذا تفعل إن رآها أحد وسألها عن هذا الوليد؟!.
شعرت مريم بالأسى وقالت:(.. يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا). (مريم ـ 23).
واستولى الحزن عليها واشتد الجوع والعطش بها.. أوحى الله إليها:(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) (مريم 25 ـ 26).
انهمرت الدموع من عيني مريم، وشكرت ربها على رحمته، ومدت يديها نحو جذع النخلة، وما إن لمسته حتى تساقط كثير من الرطب على الأرض فأكلت حتى شبعت وروت ظمأها، ثم أرضعت وليدها.
حملت السيدة مريم ابنة عمران طفلها، وعادت إلى قومها وما إن وقع بصر القوم على عيسى حتى انتابهم ذهول شديد وأصابتهم صدمة كبيرة.
التف القوم حول الطفل وأخذوا يتأملونه بذهول، وظنوا أن مريم ارتكبت إثما عظيما وهمس بعضهم: مريم العفيفة الطاهرة ابنة إمامنا عمران تفعل ذلك؟!.
اقترب القوم من السيدة مريم وسألوها عن هذا الطفل وعن أبيه.
وأشارت مريم إلى عيسى كي يسألوه ويعرفوا الحقيقة منه لأنها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم أحد اليوم .. تعجب القوم وظنوا أن مريم تهزأ بهم فصرخوا في وجهها: كيف نكلم طفلاً رضيعاً؟!.
وحدثت المعجزة الإلهية فنطق الرضيع قائلاً:(.. إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (مريم 30 ـ 33).
أيقن القوم أنهم أمام معجزة باهرة من عند الله، فها هو الرضيع ينطق ويعلن براءة أمه من الذنب الذي اتهموها به.
ندم كثير من القوم على خطئهم في حق السيدة مريم، واعتذروا إليها بينما أضمر آخرون الشر لعيسى، واشتعلت نيران الحقد في صدورهم.
شب عيسى وترعرع في كنف أمه، وأخذت تحوطه بحنانها ورعايتها حتى صار صبيا فتلقى أولى دروسه في الإيمان على يدي أمه العابدة، وتعلم الصلاة والصيام والتوراة.
مكث عيسى في بيت المقدس وتلقي دروس الدين على أيدي علماء اليهود، فوجد اختلافاً كبيراً في أحاديثهم، وتفرقاً ملحوظاً بينهم، ورآهم ينقسمون إلى عدة فرق وكل فرقة لها شريعتها ومنهجها.
تألم عيسى حين رأى الكهنة اليهود يحرفون التوراة فيحذفون نصوصا منها، ويضيفون إليها ما يوافق أهواءهم من أجل المال والنفوذ.
دعا عيسى ـ عليه السلام ـ علماء قومه إلى توحيد فرقهم، واتباع التوراة التي أنزلها الله تعالى على نبيه موسى عليه السلام، لكنهم لم يستمعوا إليه وعاندوه.
وحين بلغ عيسى مبلغ الشباب هبط عليه الوحي، وأنزل الله تعالى عليه كتاب الإنجيل مصدقا لما بين يديه من التوراة الصحيحة الخالية من التحريف وفيه مواعظ وحكم لبني إسرائيل.
حمل نبي الله عيسى كتابه وأخذ ينشر رسالة ربه، ويدعو قومه إلى الدين الجديد ويحثهم على الأخلاق الفاضلة قائلاً:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (الصف ـ 6).
وحذر عيسى ـ عليه السلام ـ قومه من حب الدنيا الذي أنساهم دينهم فقال:(لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء).
وحث نبي الله عيسى قومه على ذكر الله فقال:(لا تكثروا من الحديث بغير الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد عن الله ولكن لا تعلمون).
وكشف عيسى ـ عليه السلام ـ زيف كهنة قومه، وبين للناس أن التوراة التي بين أيديهم غير صحيحة لأن الكهنة قاموا بتحريفها.
آمن عدد كبير من اليهود بعيسى ـ عليه السلام ـ بينما اغتاظ كهنتهم واشتعل حقدهم فشنوا حربا قاسية على النبي، واتهموه بالكذب، وتحدوه أن يأتي لهم بمعجزات تثبت صدق نبوته.
أيد الله تعالى نبيه بالمعجزات الباهرة، فوهبه معجزة خلق الطير، فكان عيسى ـ عليه السلام ـ يصنع طيوراً من الطين ثم ينفخ فيها فتصير طيراً حقيقياً بإذن الله تعالى.
وصار عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه ـ فاقد البصر ـ فيرد إليه بصره، ويشفى الأبرص من مرضه الجلدي بإذن الله تعالى.
ووهبه الله تعالى معجزة إحياء الموتى بإذن الله، وكان يخبر قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم.
ازداد الكهنة عناداً واتهموا النبي بالسحر وتآمروا عليه واضطهدوه وحاول بعضهم إيذائه .. التف المؤمنون حول نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ وتشربوا دعوته ورافقه عدد منهم في كل مكان يقصده من أجل الدعوة وأطلق عليهم الحواريين، وعرف عيسى ـ عليه السلام ـ بالمسيح لأنه كان يرتحل سائحا في أرض الله كي يدعو الناس ويرشدهم إلى الحق.
خرج نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ يوماً إلى القرى المجاورة كي يدعو أهلها وبرفقته الحواريون يساندونه ويخففون عنه مشقة الطريق، وحين اشتد بهم الحر، وأجهدهم السير، طلبوا من نبيهم أن يدعو ربه كي ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن تكون عامرة بأطعمة الجنة الشهية.
خشى عيسى ـ عليه السلام ـ أن يغضب الله من قومه فوعظهم قائلاً:(.. اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (المائدة ـ 112).
قال الحواريون:(.. نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة ـ 113).
ولم يجد النبي بُداً من تحقيق رغبة قومه فلجأ إلى ربه ودعاه:(.. اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة ـ 114).
استجاب الله تعالى دعاء نبيه وأوحى إليه قائلا:(.. إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) (المائدة ـ 115).
ورأى القوم مائدة عظيمة تهبط من السماء، وفوقها أصناف متنوعة من طعام الجنة الشهي .. استقرت المائدة على الأرض وسط ذهول الحواريين الذين أقبلوا القوم على الطعام فأكلوا وشربوا في نهمٍ شديد، وحمدوا الله على كرمه وإحسانه.
اجتمع كهنة بني إسرائيل وكفار اليهود لبحث أمر عيسى ـ عليه السلام ـ الذي انتشر دينه وكثر أتباعه وبات يهدد نفوذهم وثرواتهم .. استخدم الكفار سلاح الشائعات واتهموا عيسى بالسحر لكن محاولتهم باءت بالفشل.
دبر الكفار مؤامرة لئيمة وذهب وفد منهم إلى حاكم البلاد وقالوا له: عيسى يدبر الفتن والمؤامرات ويحرض الشعب على عصيانك يا مولانا الملك.
ثار الحاكم واشتد غضبه فأمر بقتل عيسى ـ عليه السلام ـ جزاء له على فعلته التي لم يرتكبها.
انطلقت جنود الحاكم وحاصرت البيت الذي يقيم فيه نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ مع حواريه وصدر الأمر الإلهي:(.. يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران ـ 55)
وحدثت المعجزة الكبرى فرفع الله تعالى نبيه عيسى ـ عليه السلام ـ إلى السماء وألقى شبهه على أحد الحواريين.
اقتحمت جنود الملك البيت، واقتادوا الحواري، وصلبوه على جذع نخلة وهم يظنون أنه المسيح ابن مريم، وصاحوا في غرور:(.. إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ ..) (النساء ـ 157).
لكن الله تعالى رد عليهم قائلاً:(.. وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء 157 ـ 158).
وارتد بنو إسرائيل إلى الضلال، وعاثوا في الأرض فسادا حتى أرسل الله تعالى خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) بشيراً ونذيراً للناس كافة.

ناصر عبد الفتاح

إلى الأعلى