الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مقامات من الوهم السائد

مقامات من الوهم السائد

عادل سعد

”إن هذه المتشابهات والأمثلة إن دلت على شيء فإنما تدل دلالة واضحة على أن التخبط والتجريب وانتظار المعجزات هو ما يحرك العالم الآن ضمن مساحة من سيناريوهات معقدة يناهض بعضها بعضا، وهكذا يكون انتظار ظهور صحارى في المحيط الأطلسي أو في محيطات أخرى هو أقرب الاحتمالات من الوهم السائد عالميًّا في إصرار منقطع النظير على تأثيث الخراب والبحث عن انتصارات تزين بفخر زائف صدور البعض.”

مثلما لا يستطيع أحد أن يقنع الرأي العام الأميركي أن إعصار كاترينا الذي يضرب الجنوب الشرقي للولايات المتحدة الأميركية بين الحين والآخر يحمل نوايا مناخية حسنة لسكان تلك المنطقة، كذلك لا يستطيع أحد أن يقنع الأوروبيين بأن (إعصار) الاستفتاء الذي حمل صك خروج بريطانيا من (العائلة الأوروبية) كان طلاقًا وديًّا على وفق الوصف الساذج الذي حاول البعض تسويقه خلافًا لشدة هذا الإعصار، ولكن في كل الأحوال أن نتائج الاستفتاء كانت أبغض الحلال، مع هامش مفاجأة مؤلمة التي تؤكد بما لا يقبل الشك أن ما حصل هو أسوأ أنواع الأعاصير السياسية والاقتصادية التي ضربت أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية بعد حقبة طويلة من تداول العشق الجغرافي والسكاني وآمال الرفاه المشترك بين بريطانيا والبر الأوروبي.
ومن المقارنة أيضًا ليس هناك مبررات قوية مقنعة يستطيع أحد أن يدافع عنها ويقنع الآخرين بها بشأن تطبيع علاقات أنقرة مع تل أبيب في الوقت الذي كانت كل الحيثيات تتطلب من الأتراك إصلاح العلاقة مع دمشق بعد سنوات الانخراط التركي في الأزمة السورية، وما تأسس لها من انكسارات فلم تجد أنقرة ما يساعدها على التماهي مع هذه الانكسارات إلا مخاضات اعتذار الرئيس التركي إردوغان إلى الرئيس الروسي بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية واتخاذ الإجراءات القضائية لمحاكمة الشخص الذي قتل الطيار الروسي.
ومثلما لا يستطيع عاقل أن يقتنع بأن الأزمة التي تعصف باليمن الآن لا يمكن أن تأخذ طريقها إلى الإطفاء إلا بالحل العسكري، في حين أن وقودها يأكل الأخضر واليابس، ويصادر حقوق الأطفال والنساء في الأمن والسلام، وفي التطلع إلى فضاء خالٍ من حمم الطائرات ودوي المدافع، كذلك لا يستطيع عاقل أيضًا أن يقتنع أن القفز بعيدًا عن وحدة العراق في هذه اللحظة التاريخية يمكن أن يؤسس لدولة كردية جاهزة الأوصاف بغطاء إقليمي تصالحي، مع أن إيران وتركيا في خندق واحد لمواجهة هذا الاحتمال.
وهكذا أيضًا لا يستطيع أحد أن يحسم الأمر بالقول إن بالإمكان وضع حد للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بالتخويف من المجازفة، في حين أن الموت غرقًا يزامل المهاجرين على مدار الساعة.
وفي سياق آخر، لا عاقل يستطيع أن يؤكد أن (بوكا حرام) سوف تتمكن من السيطرة على مقاليد الحكم في نيجيريا أو الحال بالنسبة إلى ما يعرف بمنظمة الشباب الصومالي على مقاليد السلطة في مقديشو.
ولنذهب إلى نقطة جغرافية آسيوية ونقول أن ليس هناك خبير منصف يستطيع أن يؤكد أن الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان في طريقها إلى الحل إذا لم يتمكن الطرفان من معالجة جروح الماضي التي لم تندمل بعد بكل ما فيها من وثائق إبادة جماعية ودماء وأسئلة حدودية بين البلدين.
إن هذه المتشابهات والأمثلة إن دلت على شيء فإنما تدل دلالة واضحة على أن التخبط والتجريب وانتظار المعجزات هو ما يحرك العالم الآن ضمن مساحة من سيناريوهات معقدة يناهض بعضها بعضا، وهكذا يكون انتظار ظهور صحارى في المحيط الأطلسي أو في محيطات أخرى هو أقرب الاحتمالات من الوهم السائد عالميًّا، في إصرار منقطع النظير على تأثيث الخراب والبحث عن انتصارات تزين بفخر زائف صدور البعض، يا للهول، فرص السلام والشراكة والاندماج في اليد، ولكن عبر نواميس تضع بالاعتبار حقوق الجميع، فأين العالم من ذلك؟
إن هذا السؤال يصلح أن يكون مادة لمؤتمرات وندوات وحلقات عمل وفضائيات تصون الأخلاق السياسية وليس تبيع الأخبار الدموية أو
الملفقة.

إلى الأعلى