الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الفلوجة التي كانت

الفلوجة التي كانت

احمد صبري

”.. بعد أن أسدل الستار عن آخر فصول معركة الفلوجة، بعد إحكام السيطرة عليها من قبل القوات المشتركة، التي هاجمت المدينة أكثر من أربعين ألف عنصر، في حرب دامت خمسة أسابيع خلفت آلاف القتلى والجرحى وأضعافهم من النازحين، ما التحدي الأكبر الذي أفرزته الحرب على داعش؟”
الفلوجة… التي كانت، والفلوجة التي أرادوها أن تكون .. مدينة مدمرة وبلا روح وخالية من البشر .. سكانها نازحون تقطعت بهم السبل فتحولوا إلى لاجئين في مخيمات عشوائية في الصحراء، لا تتوافر فيها أدنى مستلزمات الحياة.
ورغم محاولات شطب الفلوجة من خارطة العراق وتهجير سكانها، إلا أن هذه المدينة التي كانت مصدا لرياح صفراء ستبقى شامخة مثل نخيل العراق وعذبة مثل ماء الفرات، وقوية مثل رجالها الشجعان وعشائرها الأصيلة.
وهكذا مدينة باسلة وعصية على محاولات ترويضها وإذلالها ستبقى عنوانا للأصالة والصمود مهما دارت عليها الأيام.
وبعد أن أسدل الستار عن آخر فصول معركة الفلوجة، بعد إحكام السيطرة عليها من قبل القوات المشتركة، التي هاجمت المدينة أكثر من أربعين ألف عنصر، في حرب دامت خمسة أسابيع خلفت آلاف القتلى والجرحى، وأضعافهم من النازحين، ما التحدي الأكبر الذي أفرزته الحرب على داعش؟
والجواب: إن هذه الحرب أفرزت أزمات خطيرة باتت تقلق العراقيين، وتنغص حياتهم؛ بسبب وجود جسم شبه عسكري متضخّم ومنفلت من رقابة الدولة، ينافس القوات النظامية في أداء مهامها الرسمية، ويتلقّى أوامره من جهات متعدّدة ومتنافسة ومتناقضة المصالح في أغلب الأحيان.
وفضلا عن ذلك في نحو 80 بالمئة من المدينة قد دمرت وتعطلت شبكات المياه والصرف الصحي عن العمل، ناهيك عن انهيار المؤسسات الصحية والتعليمية. كما أن حصيلة الحرب على داعش منذ احتلاله للفلوجة بلغت نحو13 ألفا بين قتيل ومصاب معظمهم من المدنيين.
والسؤال: ما مصير سكان الفلوجة الذين نزح معظمهم منها؟ ويخشى أن يلتحق هؤلاء بمَن سبقهم من سكان المدن المستعادة الذين نزحوا ومنعوا بعد ذلك من العودة إلى مدنهم، وبالأخص الرمادي وتكريت وعدد من مدن محافظة ديالى.
وهو ما يعني البقاء تحت طائلة التشرد والنزوح في ظروف لا إنسانية.
ويخشى أن تكون مخيمات الإيواء المؤقت نواة لإقامة مدن المستقبل بدلا من إعادة إعمار المدن الأصلية التي لحق بها الدمار الكامل من جراء الحرب لتتحول إلى مدن أشباح. وطاردة لأبنائها الأصليين.
وما بين الفلوجتين، قصة تحكي تاريخ مدينة جذورها بالأرض ترفض الإلغاء والشطب من خارطة الوطن وأشباه مدينة منزوعة الروح والهوية غير قابلة للحياة.
وتبقى مدينة المساجد مهما أصابها من عاديات الزمن شامخة تنبض بالحياة وعالية ـ مثل سارية علم العراق.

إلى الأعلى