الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المصدر الحقيقي للعنف في بنجلاديش

المصدر الحقيقي للعنف في بنجلاديش

وليام ميلام

لدى بنجلاديش تاريخ من الجماعات المتطرفة المهمشة. بعض من ذلك هم إرث للحرب في أفغانستان، التي حارب فيها بعض البنجاليين؛ والآخرون يحملون نوعا من الفكر الأصولي المتشدد الذي يتأثر به العمال البنجاليون العاملون في الخارج لدى عودتهم للوطن.

تم مؤخرا ضرب وتمزيق راهب بوذي حتى الموت بفأس في جنوب شرق بنجلاديش. وقبل ذلك بأسبوع، تم قتل زعيم إسلامي صوفي في أقصى الشمال. وقبل ذلك بأسبوعين، كان الدور على ناشط. وقبل ذلك بأيام قليلة كان أستاذ اللغة الإنجليزية.
عدد من تلك الهجمات لم يتم إعلان المسئولية عنها، غير أنها تتبع نموذجا بشعا: فهناك على الأقل 25 حالة عنف، أحيانا علنية، وعمليات قتل لأقليات دينية وعلمانيين ومدافعين عن حرية التعبير في بنجلاديش منذ فبراير 2015. كما تم الاعتداء على أكثر من 10 أشخاص آخرين بطرق مماثلة لكنهم نجوا.
من تلك الهجمات، أكثر من 20 حالة تم إعلان المسئولية عنها من قبل تنظيم الدولة (داعش) ونحو 6 حالات من قبل تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية وحالة واحدة من قبل قبل جماعة المجاهدين البنغالية المتطرفة وأنصار الإسلام.
وتثير الزيادة في تلك الحالات قلق الحكومات الغربية، التي تخشى من أن المتطرفين الإسلاميين المحليين ربما يتنافسون الآن في جذب انتباه شبكات جهادية دولية أو التعاون معها. وقد ردت عدة بلدان غربية بإجراءات لمكافحة الإرهاب: فاليابان عملت على تأمين الملاحة الجوية بينما تدعو الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون مع السلطات البنجالية للتصدي للتطرف والعنف.
وهذا رد فعل يمكن التنبؤ به، وإن كان مضللا أو بعيدا عن الصواب وخطير لأنه ينبع من تشخيص خاطئ.
فسلسلة جرائم القتل الوحشية التي وقعت مؤخرا في بنجلاديش هي أقل في كونها قضية إرهاب من كونها قضية حكم: أي انقضاض رابطة عوامي الحاكمة على خصومها السياسيين والذي بدأ بشكل جدي عقب الانتخابات الأخيرة في يناير 2014، التي أطلقت العنان للمتطرفين في بنجلاديش.
فعقلية المباراة الصفرية(كسب الكل أو خسارة الكل) هي التي تحكم السياسة البنجالية منذ نهاية الحكم العسكري المستبد في عام 1991. ففيما بين ذلك وحتى 2007، تبادل الحزبان الرئيسيان رابطة عوامي والحزب القومي البنجالي السلطة كل مدة حكم. وأيما كان من يقود الحكومة فإن التركيز ينصب على تفخيم نفسه وإضعاف الآخر. وقد ترك ذلك القطاع الخاص وحده إلى حد كبير للاستثمار في التوسع الاقتصادي ومنظمات المجتمع المدني في توفير التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى التي تؤديها الحكومة.
وفي بعض النواحي، فإن فشل الحكومة في القيام بذلك خدم البلد بشكل جيد: فقد نما الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ في المتوسط 5 إلى 6% على مدى العقدين الماضيين؛ وقد تقدمت بنجلاديش على الهند وباكستان في مؤشرات تنمية اجتماعية مختلفة مثل الرعاية الصحية والتعليم. غير أن الثقافة السياسية للبلد تراجعت بشكل مطرد.
وقد اندلعت الاحتجاجات الكبيرة في أواخر عام 2006، بعدما حاول الحزب القومي البنجالي الذي كان في السلطة وقتئذ تزوير الانتخابات المقرر إجراؤها في العام التالي. واستولى الجيش على السلطة في ذلك الوقت. وتم انتخاب رابطة عوامي لتعود للسلطة في عام 2009 وفي عام 2011 استغلت أغلبيتها الكبيرة في البرلمان في حذف فقرة في الدستور تشترط الإشراف على الانتخابات العامة من قبل حكومات تسيير الأعمال غير الحزبية.
وقاطع الحزب القومي انتخابات عام 2014 اعتراضا على ذلك التعديل. ومنذ الفوز بانتخابات الحزب الواحد تلك، قررت رابطة عوامي تحويل بنجلاديش إلى دولة الحزب الواحد. وبالتالي أصبح الحزب القومي البنجالي الهدف الأساسي والوحيد بشكل حقيقي لما تطلق عليه الحكومة جهود تنفيذ القانون. وتستغل رابطة عوامي بشكل معتاد القضاء والشرطة في صراعها ضد خصومها السياسيين والأصوات المنشقة في المجتمع المدني.
وتم تفصيل قضايا فساد بحق الأعضاء الكبار في الحزب القومي ضمن أشياء أخرى. ووفقا لمجموعة الأزمة الدولية وهيومان رايتس ووتش، فإن الحكومة قد أسكتت المنتقدين من خلال اللجوء إلى الإخفاء القسري والتعذيب والقتل والإعدام خارج نطاق القضاء والقانون.
ويتم اتهام الصحفيين الذين يجرأون على تغطية أي من ذلك بإثارة الفتن والخيانة.
لقد سمحت الحملة القاسية لرابطة عوامي ضد المعارضة السياسية والمجتمع المدني بإطلاق العنان للمتشددين المستخدمين للعنف من كل المشارب.
وقد قلص تركيز صلاحيات القضاء والشرطة المحدودة في الدولة على الحزب القومي وأنصاره الموارد التي يمكن تخصيصها لمنع الإرهاب والجريمة. فاستخدام وسائل غير قانونية في إسكات الخصوم المتصورين قوض مبدأ سيادة القانون وخلق مناخ من الحصانة والإفلات من العقاب الذي شجع المتطرفين.
فأول عملية قتل تقطيعا بالساطور ـ لمدون علماني ـ وقعت في فبراير 2013 قبل الانتخابات العامة الأخيرة. وكان ردة الفعل من قبل رابطة عوامي هو كما يمكن أن تتوقع من حزب شاغل للسلطة: غادرت رئيس الوزراء شيخة حسينة مكتبها لتقدم التعازي للأسرة وتتعهد بملاحقة الجناة. لكن منذ إعادة انتخاب الحزب، بات رده على الهجمات المماثلة مراوغ بشكل كبير.
ومن غير الواضح ما إذا كان زعماء رابطة عوامي يلتفتون لأسر الضحايا. ففي نفس الوقت الذي ينكر فيه ذلك الزعماء أي وجود لتنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية أو داعش في بنجلاديش، يتهمون الحزب القومي البنغالي ـ أو ما بقي منه ـ بالتآمر مع حزب الجماعة الإسلامية لزعزعة استقرار الحكومة. وتكرر حسينة تلك التهمة وكان آخر ذلك عند مقتل الناشط والموظف بالسفارة الأميركية شولهاز منان.
ومع ذلك فالأكثر إضرارا يتمثل في تردد وتقلب الحكومة فيما يتعلق بحرية التعبير. ففي عشية الإجازة الهندوسية في سبتمبر الماضي، أبغلت حسينة مجموعة من زعماء الهندوس أن للناس الحق في ممارسة دينهم دون الإضرار بالمشاعر الدينية للآخرين. وفي الاحتفالات بالسنة البنجالية مؤخرا، أعلنت حسبما ذكر عنها أن كتابات المدونين المنتقدة للإسلام تعد كلاما بذيئا، وتساءلت: لماذا يجب على الحكومة أن تتحمل المسئولية حال أدت تلك الكتابات إلى أي حوادث غير مرغوب فيها؟ ويمكن عذر الإسلاميين لتفسير تلك التصريحات على أنها مرور مجاني لمهاجمة الأشخاص الذين يعتبرونهم أعداء للإسلام النقي.
لدى بنجلاديش تاريخ من الجماعات المتطرفة المهمشة. بعض من ذلك هم إرث للحرب في أفغانستان، التي حارب فيها بعض البنجاليين؛ والآخرون يحملون نوعا من الفكر الأصولي المتشدد الذي يتأثر به العمال البنجاليون العاملون في الخارج لدى عودتهم للوطن. لكن قبل سلسلة الهجمات التي بدأت العام الماضي، فإن آخر هجوم إرهابي معروف في بنجلاديش (من قبل جماعة المجاهدين البنجالية) يعود إلى عام 2005.
من الصعب قياس مدى درجة العنف المتطرف الحالي في بنجلاديش، وخاصة فيما يتعلق بوجود روابط بين جماعات محلية ودولية. ومع ذلك ومهما كانت طبيعته، فإن سبب التهديد المتطرف يرجع إلى حد كبير إلى قمع الحكومة للمعارضة الرئيسية. والرد على تلك الموجة من الهجمات بوصفها قضية أمنية في الأساس، وليست مشكلة حكم من شأنها أن تزيد الأمر سوءا ليس إلا.

وليام ميلام أستاذ بارز في علم السياسة بمركز ودرو ويلسون في واشنطن وسفير سابق للولايات المتحدة في بنجلاديش وباكستان. خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى