الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / تحمل ثقلَ الحياة وخفّة الكائن .. حكايات متأصلة فـي نصوص الروائية سميحة خريس
تحمل ثقلَ الحياة وخفّة الكائن .. حكايات متأصلة فـي نصوص الروائية سميحة خريس

تحمل ثقلَ الحياة وخفّة الكائن .. حكايات متأصلة فـي نصوص الروائية سميحة خريس

عمّان ـ العمانية: هاجسُ الكتابة يؤرق الروائيةَ الأردنية سميحة خريس كثيراً، وهو ما تكشف عنه إجابتها عن سؤال: «لماذا نكتب؟»، إذ تقول وهي تستعرض سيرتها الإبداعية الطويلة: «لعلَّنا نشعر بالخوف دائماً مِن تبدُّد الحياة التي نعرفها، نخاف مِن تلاشي شهادتنا على الحياة ونسعى لطرائق مختلفة في تثبيتها وترك بصماتنا حيَّةً تدلُّ علينا، الكتابة بهذا المعنى محاوَلَة للبقاء، حيلة لإبعاد المَلَل، صوتٌ يكسـر الصّمت، معنى يملأ الفراغ». خريس، التي صدر لها مؤخراً كتاب بعنوان «خرابيش الحرف: بحث في الكتابة بهجتها وأزمتها»، تؤكد : أن الكتابة «لا تخلو مِن رغبة دفينة في صـياغة العالم على ما نحبّ ونشتهي ونتوقّع، وهي بحثٌ عميقٌ في دواخلنا وتحايُلٌ للبوح بالأفكار والمشاعر».وفي معاينتها لحال المبدع بعد نضوج التجربة، تقول خريس التي حمل آخر أعمالها الروائية اسم «بابنوس»: «أقتربُ حثيثاً مِن الستين، وأتركُ طواعيةً نَزَقي وجنوني وأميلُ إلى حالةٍ مِن الدّعة والتأمُّل، أقرب إلى السُّكون، أقرأ؛ ولا أستمتع بسهولة.. باتت ذائقتي مستعصـيةً على البسـيطِ والسطحيّ والعادي».وتُعدّدُ صاحبة رواية «شجرة الفهود» الحُجَجَ التي يتذرّع بها المبدعون عند إشاحة الكتابة وجهها عنهم، ومنها: «العمل المرهق، والالتزامات الاجتماعية، وعدم توفر الوقت للقراءة، والحالة المفجعة التي تعيشها المنطقة العربية»، ثم سرعان ما تعود لتؤكد أن تلك الحجج واهية، فـ»المحارب لا يحتاج إلى استراحة» لأن سـيفه «يصدأ في الهدنة السَّمجة». وتضيف: «لقد خبرتُ كيف أعيش الحياة بصخبها وثقلها وانشغالاتها من دون أن تحول بيني وبين الكتابة يوماً، ربما أنا الآن في أفضل مراحل الحياة من التخفُّف مِن مسؤولياتي، والقراءة مُتاحة، ما زالت الدنيا تكتظّ بمليارات الكُتُب البديعة التي لم تصافح عَينيّ، التي تنتظر دهشتي وتملك أسـراراً لم تخطر في البال، أمّا فاجعة الوطن، فهذا مسمار انحنى لطول ما علّقناه على الجدران القديمة». وتشير خريس التي فازت بجوائز عربية في مجال الرواية، إلى أنها كانت تلجأ إلى الانزياح عن السـرد عندما كانت الكتابة تستعصي عليها في الماضي، فتكتب سـيناريوهاً لعمل إذاعي أو تلفزيوني، أو مسـرحي، وغيرها مما تصفه بـ»مُتفرِّقات» ريثما تستعيد توازنها وتعود لكتابة الرواية! وفي محاولتها التقرب من الكتابة واستعادة حروفها، تمارس خريس جملة مما تسميه «البهلوانيّات»، مشيرة إلى أن هذا الاسم «غير مصنَّف نقديّاً»، وأنها اجترحته في محاولة لوصف «طرائق مناكفة الكتابة» التي غالباً ما تأتي بما يحلو للنُقّاد تسميته «التجديد والتجريب»، فالمسألة بحسب ما ترى ليست سوى «لعب»؛ «كرّ وفرّ بيننا ككُتّاب وبيْن الكتابة كعالم حيّ يتنفّس حولنا وفي أوراقِنا». اعتادت خريس على سباقها المحموم مع الكلمات، وقد تمكّنت من إيقاع الكتابة في «ورطات» كثيرة وهي تجرِّب وتلعب، ومن ذلك أنها دفعتها كما أحجار الدومينو في قصّتها «دومينو» عندما حوَّلت الحروف والكلمات والجُمَل والفقرات إلى أحجار تتساقط تِباعاً أو تنهض تِباعاً. ومن ذلك أيضاً أنها تركت ثلاث صفحات بيضاء تماماً في روايتها «خشخاش»، وأنها خلطت الحابل بالنابل في روايتها «نارة». تقول خريس حول هذه التجارب التي تقارب بين الجد واللعب: «أيّ مُتعة وبهجة عارمة سكنتني حين لعبتُ الدومينو بالحروف! الحجارة البيضاء المنقَّطة بالسواد تحوّلَت إلى كلمات، رأيتُ في اصطفافها شكلاً رمزيّاً لاصطفاف الحياة، حيث يمكنكَ أن تلمس بإصبعكَ الحجر الأول، فيميل ويدفع أمامه الحجارة تِباعاً حتى آخر حجر، ويسقط البناء كلّه.. هكذا بَدَت الحياة، أسباب تؤدّي إلى أسباب، وأبواب تفتح أبواباً، ولعبة مدوّرة منذ البداية وحتى النهاية، أو مِن لحظة الميلاد إلى لحظة الموت». وتتحدث خريس التي صدر لها العديد من الأعمال الأدبية التي تناولت مفاصل اجتماعية تاريخية، أو جرّبت الدخول إلى مناطق محظورة في النفس البشـريّة، عن روافد الإبداع التي أمدّت كتابتها بالحياة والاستمرار، وأولها رافد الطفولة الذي تقول عنه: «أتمتّع بذاكرة تفصـيليّة حول مرحلة الطفولة، أستطيع أن أعايِن دقّتي حين نتبادل وإخوتي أو أقاربي بعض الذكريات، وهذا الرافد غنيّ بالأحداث والمشاعر». أما الرافد الثاني فهو القراءة، وتقول فيه: «كل الكُتّاب والمُدرِّسـين يقولون لمن يجرّب الكتابة: إذا أردتَ أنْ تكتب عليكَ أن تقرأ»،. ويمثّل السفر رافداً ذا دلالة، وخاصة في تجربة خريس بحكم ظروف عائلتها والعمل الذي تولّاه والدها، وهي التجربة التي تقول عنها: «مثَّلَت تجربة ركوب الطائرة تخييلاً مُدهشاً لديّ، عدا التجربة المُعاشة التي جعلتني أتعرَّف على خريطة الإنسان العربي، وأتمكّن من التمييز بيْن الفروق الطفيفة في اللغة أو اللهجة، في الهيئة والملبس والمعتقد والثقافة عامّة».

إلى الأعلى