الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (26)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (26)

رفع اليدين في الخطبة:
الصواب أن اليدين لا ترفع للدعاء في الخطبة، إلا إذا استسقى الإمام في خطبته ، كما ثبت ذلك عن النبي في صحيح البخاري، وأما إذا لم يستسق فإنه لا يرفع يديه في الدعاء ، وإنما يشير بأصبعه السبابة إذا دعا وإذا ذكر الله، فقد ثبت في سنن أبي داود ورواه مسلم من حديث عمارة بن رويبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يده فقال:(قبّح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة).
اتخاذ العصا للخطيب:
اتخاذ العصا للخطيب: جاء في ذكر العصا لخطيب روايات متعددة منها: ما رواه الشافعي في الأم عن إبراهيم عن ليث بن أبي سلمة عن عطاء مرسلاً (أنه كان يعتمد على عنزته اعتمادا) .
قال الحافظ في التلخيص: وليث ضعيف، ومنها: ما رواه أبو داود في سننه من حديث الحكم بن حزن الكلفي .. الحديث وفيه:( شهدنا الجمعة معه، فقام متوكئا على عصى أو قوس .. الحديث)، قال الحافظ في التلخيص: إسناده حسن، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند أبي داود بلفظ:(أن النبي أعطي يوم العيد قوساً فخطب عليه)، قال الحافظ في التلخيص: وطوّله أحمد ورواه الطبراني وصححه ابن السكن . أهـ.و الحديث يدل على شرعية الإتكاء على عصا أو قوس في الخطبة لأن هذا من شأنه، ولعل السر في هذا ـ والله أعلم ـ أنه أجمع لليدين وأجمع للقلب من الحركة، وأقرب إلى الإقبال على الخطبة، والحديث: إسناده حسن، ورواه أحمد أيضاً، وجاء في الباب آثار أخرى فيها مقال ولكنها تشهد لهذا وقد اختار مشروعية العصا جمع من أهل العلم وبه قال الصنعاني في السبل، والشوكاني في نيل الأوطار.وذهب ابن القيم إلى خلاف ذلك حيث قال في زاد المعاد ما نصه: ولم يكن يأخذ بيده سيفاً ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر .. الخ، إلى أن قال: فإنه لا يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، قلت: ولا أدري ما هو الدليل على ما ذكره ابن القيم من التفريق بين ما كان قبل اتخاذ المنبر وبين ما كان بعده، فربما اطلع على دليل لم أجده، لكن لزم التنويه للتفريق بين بحث ابن القيم وهذا البحث القاصر .. والله أعلم، وكان قد أشار في أول كتابه (الزاد( في فصل )هديه في الخطبة( بما نصه: وكان إذا قام يخطب أخذ عصاً، فتوكأ عليها وهو على المنبر، كذا ذكره عنه أبو داود عن ابن شهاب، وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك، ولم يفصّل كما فصّل في الموضع السابق ذكره، والتفصيل متأخر عن كلامه في أول كتابه فيكون هو المعتمد عنده، ويحتمل أن يكون كلامه هناك هو المعتمد على أنه لا فرق بين قبل اتخاذه المنبر أو بعد اتخاذه المنبر بدليل استمرار فعل الخلفاء الثلاثة من بعده، قلت: وقد قيل: إنه إذا احتاج: العصى فإنه يشرع له ذلك وإن لم يحتج إليها فلا. والله أعلم.
استحباب قول:(أما بعد) في الخطبة:
ذهب جماعة من المحققين إلى استحباب قول الخطيب بعد الحمد والثناء:(أما بعد) وذلك تأسيا بالنبي وقد أشار إلى ذلك ابن القيم، وبه قال النووي والحافظ بن حجر والصنعاني والشوكاني وجماعة، وقد عقد البخاري في صحيحه بابا في استحبابه فقال: باب من قال في الخطبة بعد الثناء:(أما بعد) وذكر فيه جملة من الأحاديث، قال الصنعاني في السبل: وظاهره أنه كان يلازمها في جميع خطبه.
قال سيبويه:(أما بعد) معناها مهما يكن من شيء بعد، وقال أبو إسحاق الزجاج: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال: أما بعد، وهو مبني على الضم لأنه من الظروف المقطوعة عن الإضافة.
قلت: وقد اختار ابن مالك ما ذهب إليه سيبويه وقد اختلف أهل العلم في أول من قالها فقيل: داود ـ عليه السلام ـ فبما رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري، وفي إسناده ضعف، كما قال الحافظ في الفتح وقيل: إنه يعقوب ـ عليه السلام ـ رواه الدار قطني بسند رواه في غرائب مالك كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وقيل غير ذلك، قال الحافظ ابن حجر: والأول أشبه ـ يعني داود ـ عليه السلام، وعلى هذا جماعة من المفسرين، وبه أفتى سماحة الشيخ أحمد الخليلى والشيخ السالمي ـ رحمه الله.
رفع الصوت في الخطبة:
كتب بعض المؤلفين كتباً صدروها بوصايا للخطباء كطريق للخطيب الناجح وقد أفلحوا في بعضها وأخطأوا في البعض الآخر، وهو كثير نظراً لاعتمادهم على كتب غربية في وصف الخطيب الصيت الناجح، ولم يراعوا في ذلك ما كان من هديه، فكان مما فيها، استنكار رفع الصوت في الخطبة أو الانفعال فيها وفي ذلك تشنج يثير المستمعين ويذهب بجمال الخطبة وحيويتها.ولا شك أن هذا خطأ واضح لم يكن لقائله نصيب من سنة المصطفى وهديه في خطبته ؛ حيث إنه ثبت عنه في صحيح مسلم (أنه كان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول:(صبحكم ومساكم) الحديث، وفي لفظ عند مسلم :(يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته ..) فذكره .
فيتبين لك أيها القارئ مما سبق ذكره، أن رفع الصوت والحماس في الخطبة كان من هديه وهو من الأمور التي لها وقع في قلوب المستمعين، مع ملاحظة أن رفع الصوت وعلوه هنا لا يراد به الصراخ المفزع الذي يذهب بجمال الخطبة ووقعها في نفس المستمع .. والله أعلم، لاسيما مع توفر مكبرات الصوت ، فيجب على الخطيب أن يعتدل في رفع صوته، فرفع الصوت شيء والصياح شيء آخر كما أوضحنا فيما سبق .. لكننا أعدنا الكلام في هذا الموضوع لبيان أن ذلك من فقه الإمام .. والله أعلم.
قراءة سورة (ق) وهل تقرأ في كل جمعة أم لا؟
ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة ـ رضي الله عنها ـ قالت:(ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن رسول الله يقرؤها كل جمعة على المنبر إذ خطب الناس).
ولقد اتفق أهل العلم على مشروعية قراءة سورة (ق) على المنبر في خطبة الجمعة، بل ولقد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حيث قالوا بمشروعيتها في كل جمعة، وممن ذهب إلى ذلك النووي والصنعاني .. وغيرهما، قال النووي عن حديث أم هشام: وفيه استحباب قراءة (ق) أوبعضها في كل خطبة، قلت: ووجه الدلالة على أن المراد عموم الجُمَع، أن لفظة (جمعة) نكرة في سياق الإثبات وهي لا تفيد العموم، ولكنها أفادت العموم في هذا الحديث بدخول لفظة (كل) عليها.
ولكني أقول: إن هذا الحديث هو من العام المخصوص بدليل أنه ثبت عنه أنه خطب خطباً كثيرة ليس فيها ذكر سورة (ق).
فقد روى أحمد وابن ماجه بإسناد حسن أن رسول الله قرأ يوم الجمعة (تبارك، وهو قائم ..) ـ الحديث، وروى أبو داود في سننه عن أبي سعيد قال:(قرأ رسول الله وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه)، قال العراقي: وإسناده صحيح، نقل ذلك الشوكاني في نيل الأوطار، وقال الشوكاني بعد ذكر أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال في قراءة سورة من القرآن على المنبر ما نصه: والظاهر من أحاديث الباب أن النبي كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في خطبة، بل كان يقرأ مرة هذه السورة ومرة هذه ، ومرة هذه الآية ومرة هذه، والله أعلم .. يتبع

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى