السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قبس من نور النبوة

قبس من نور النبوة

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم):( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً) ـ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وقال (صلى الله عليه وسلم) أيضاً:(ثلاثاً من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) ـ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان.
اعلم اخي القارئ: أن للإيمان طعماً يفوق كل شيء في الوجود، وله مذاق يعلو على كل مذاق، ونشوة دونها كل نشوة، وحلاوة الإيمان حلاوة داخلية في نفس رضية وسكينة قلبية, تسري سريان الماء في العود، وتجري جريان الدماء في العروق، لا أرقَ ولا قلق ولا ضيق ولا تضييق، بل سعة ورحمة، ورضا ونعمة.
وإذا أردنا أن نتكلم عن معنى الإيمان بالله تعالى نقول: إنه سكينة النفس وهداية القلب، وهو منار السالكين وأمل اليائسين، إنه أمان الخائفين, ونصرة المجاهدين، وهو بشرى المتقين ومنحة المحرومين.
الإيمان هو أبُ الأمل وأخ الشجاعة, وقرين الرجاء .. إنه ثقة النفس ومجد الأمة وروح الشعوب، وأول منافذ الوصول إلى حلاوة الإيمان وطعم السعادة (الرضا بالله عز وجل رباً مدبراً), فهو القائم على كل نفس بما كسبت، رحمن الدنيا والآخرة، خالق الموت والحياة والأكوان، مُسبغ النعم، ومجيب المضطر إذا دعاه وكاشف السوء، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، سوَّى الإنسان ونفخ فيه من روحه، أطعمه من جوع، وآمنه من خوف، وهداه من الضلالة، وعلّمه من بعد جهالة.
الإيمان بالله ـ أخي القارئ الكريم ـ تستسلم معه النفس لربها، وتنزع إلى مرضاته، تتجرد عن أهوائها ورغباتها، تعبده سبحانه وترجوه، تخافه وتتبتل إليه، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، رضا بالله ويقين يدفع العبد إلى أن يمد يديه متضرعاً مخلصاً:(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك, وبك منك لا أحصي ثناء عليك, أنت كما أثنيت على نفسك)، ومذاق الحلاوة الثاني: (الرضا بالإسلام ديناً)، دين من عند الله أنزله على رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) ورضيه لعباده ولا يقبل ديناً سواه، وتعالوا لننظر إلى معنى الحب العجيب وإلى هذا التجسيد العجيب للرضا بدين الله عز وجل فلقد غضب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ذات يوم على زوجته عاتكة فقال لها: والله لأسوأنك، فقالت له: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله إليه؟ فقال: لا. فقالت: أي شيء يسوءني إذن؟ الله أكبر: إنها واثقة مطمئنة راضية مستكينة مادام دينها محفوظاً عليها حتى ولو صب البلاء عليها صباً، بل إن إزهاق الروح مُستطاب في سبيل الله على أي جنب كان في الله المصرع.
إن الإسلام هو منبع الرضاء والضياء ومصدر السعادة والاهتداء، ومذاق الحلاوة الإيمانية الثالث هو (الرضا بمحمد رسولاً ونبياً) محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الناصح الأمين، والرحمة المهداة للناس أجمعين، والأسوة الحسنة، فلا ينازعه بشر في طاعة، ولا يزاحمه أحد في حكم: إذا صح الإيمان ووقر في القلب فاض على الحياة، فإذا مشى المؤمن على الأرض مشى سوياً، وإذا سار سار تقياً.
فعلينا أن نعلم جيداً أن من ذاق حلاوة الايمان طاب عيشه، وعرف طريقه، ومن عرف طريقه سار على بصيرة، ومن سار على بصيرة نال الرضى وبلغ المقصد، نعم يمضي في سبيله لا يبالي بما يلقى، فبصره وفكره متعلق بما هو أسمى وأبقى، هل رأيت زياً ومنظراً أحسن وأجمل من سَمْت الصالحين؟ وهل رأيت تعباً ونصباً ألذ من نعاس المتهجدين؟ وهل شاهدت ماءً صافياً أرق وأصفى من دموع النادمين على تقصيرهم والمتأسفين؟ وهل رأيت تواضعاً وخضوعاً أحسن من انحناء الراكعين وجباه الساجدين؟ وهل رأيت جنة في الدنيا أمتع وأطيب من جنة المؤمن وهو في محراب المتعبدين؟.
نعم أخي المسلم بالإيمان الراسخ يتحرر المؤمن من الخوف والجبن والجزع والضجر، قال تعالى:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة ـ 51)، وبهذا المذاق ينفك المؤمن من ربقة الهوى، ونزعات النفس الأمَّارة بالسوء وهمزات الشياطين وفتن الدنيا بنسائها ومالها وقناطيرها ومراكبها وسائر مشتهياتها وزينتها، سعادة وحلاوة ملؤها القناعة، سعادة وحلاوة يتباعد بها عن الشح والتقتير والبخل والإمساك، وينطلق في معاني الكرم والإيثار والعطاء.من فقد الإيمان انفرط أمره وانحل عقده، يقول ويفعل من غير رقيب، ويسير في دنياه من غير حسيب، سيرته مطبوعة بطابع الأثرة والأنانية، معدوم الثقة بنفسه وبالناس يحل التدابر عنده محل التراحم، والتفرّق محل التعاون، بغير الإيمان وحلاوة الإيمان يعود الناس وحوشاً ضارية، يقطعون حبالهم مع الله ومع الناس، انقادوا لنفوسهم الأمارة بالسوء، واغتالتهم شياطين الجن والإنس. والحضارة المعاصرة بمادياتها المغرقة وتقنياتها الجافة خير شاهد على أن السعادة والحلاوة لا تحققها شهوات الدنيا ولا مادياتها، لا ترى المرء فيهم إلا منهوماً لا يشبع، شهواته مستعرة ورغباته متشعبة، يجره الحرص على الخصام فيشقى ويُشقي غيره، ويغرس العداوة والعدوان حيثما حل وارتحل.
رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناَ وبمحمدٍ صلى الله عليه نبياً ورسولاً .. اللهم إنا نسألك العفو والعافية اللهم آمين .. والحمد لله رب العالمين.

إبراهيم السيد العربي
إمام وخطيب جامع الشريشة/ سوق مطرح

إلى الأعلى