الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / من وصايا الحبيب

من وصايا الحبيب

من غشنا فليس منا .. إن الغش معصية لله ولرسوله وإنه لايفيد صاحبه إلا الوزر والخزي العاجل والآجل إن لم يتب وإنه لمن العار إنه يضيع الثقة فإن الناس إذا عرفوا الرجل غاشاً في معاملته انصرفوا عنه وأسقطوا الثقة به فأغلق بذلك على نفسه أبواب الربح والخير ومن جنايات الغش على صاحبه أن البركة تذهب من عمل يديه وربما دارت عليه أو على ذريته الدوائر.
وقد يكون الغش بصورة واضحة مثلاً في الصداقة المزيفة التي لا تقوم إلا على جلب المصالح الشخصية التي يحرصون على تحقيقها بكل ما أوتوا من نفاق حتى ولو كان هذا على حساب غيرهم ولهذا كان الصديق الوفي المخلص الذي أوصى به علقمة بن لبيد ولده (يا بني إن احتجت إلى صحبة الرجال فاصحب من إذا صحبته زانك وإن أصابك فقر أعانك وإن قلت سدد قولك وإن بدا منك خلل سده وإن رأى منك حسنة عدها وإن سألته أعطاك وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك .. من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق).
والتخلق بهذا الخلق الذميم (الغش) أمر سيئ يقول سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه:(من تخلق للناس ما ليس خلقاً له شأنه الله ومن أظهر للناس خشوعاً فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقاً على نفاق)، فليحذر المؤمنون من الاتصاف بهذه الصفة الذميمة فإنه لا عبرة بالزي الظاهر إذا تدنست القلوب والسرائر.
وقد يكون الغش في كتمان النصيحة وفي هذا يقول الرسول (صلى الله تعالى عليه وسلم):(الدين النصيحة) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فعلى المسلم أن يكون ناصحاً أميناً وإلا كان شريكاص في الإثم بعد أن رأى الإثم يُرتكب ولم يتطوع بتبصير الآثم لأنه سيعتبر في هذا الوقت راضياً عنه مشجعاً له وقد ورد في هذا المعنى قول للإمام علي ـ كرّم الله وجهه:(الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلى كل داخل فيه إثمان إثم العمل به وإثم الرضى)، وكما ورد في الحديث الشريف:(المغتاب والمستمع، شريكان فى الإثم) وقد يتعلق الآثم في رقبتك يوم القيامة ويقول يا ربي خذ لي حقي من هذا لأنه رآني أفعل المنكر ولم ينهن.
كما يكون الغش كذلك في البيع والشراء والأخذ والعطاء فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه:(أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر على صبرة طعام أي (طائفة من الطعام) فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس‍؟ من غشنا فليس منا) ـ رواه مسلم وابن ماجه، واستمع إلى أبي هريرة وهو ينصح ويحذر بهذه الكلمات لمن خلط اللبن بالماء (كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة: خلص اللبن من الماء).
وقد يكون الغش في الحسد المذموم وقد أمرنا الله تعالى بالاستعاذة منه (.. ومن شر حاسد إذا حسد) لهذا حذر المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من الحسد فقال:(إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) ـ رواه أبو داود، وقال (صلى الله عليه وسلم):(لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد) ـ أخرجه البيهقي.
والحسد المشار إليه في الحديثين هو الحسد المذموم والمراد زوال نعمة الغير أما الحسد المحمود وهو: تمني مثيل النعمة حتى يتقرب بها إلى الله تعالى مثل صاحبها فلا بأس لأنه (لا حسد إلا في اثنتين رجلا آتاه الله مالا فسلطته على هلكته في الخير ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها).
فليحذر كل مؤمن ومؤمنة من هذا المرض المذموم وإذا أردت مزيداً في رزقك فكن آخذ بالأسباب التى شرعها الله تعالى مع التوكل عليه سبحانه بمعنى تفويض الأمر إليه قال تعالى:(ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدراً) (الطلاق ـ 3).
إن القلوب إذا امتلأت بحب الله تعالى وحب رسوله (صلى الله عليه وسلم) لم يبق فيها غير هذا الحب وهكذا لأبد أن يكون المؤمن في الصباح والمساء خالي القلب من الغش للمسلمين فضلاً عن غيرهم فقد وصى الحبيب العظيم محمد (صلى الله عليه وسلم) بذلك قائلاً لسيدنا أنس ـ رضى الله عنه ـ والوصية للمسلمين جميعاً (يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ..) وحسب المسلم ترغيباً في تنفيذ هذه الوصية أنه يكون مقتدياً برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومتخلقاً بأخلاقه كما أشار إلى ذلك بقوله:(.. ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة) بل وحسب الإنسان المسلم تحذيراً من الوقوع في شباك هذا الداء الدفين ما جاء في حديث الإمام مسلم الذي يبرأ فيه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من الغشاش فيقول:(من غشنا فليس منا) وإذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد حذر من الغش فالغش أخو الخيانة ومقترفه آثم يتجافاه الناس ويبغضونه ويحقرونه نفوسهم منه مشمئزة وجلودهم لرؤيته مقشعرة وقلوبهم عليه ساخطة وألسنتهم بذكره لاعنة والغشاش أخو الكذاب وكلاهما مطرود من رحمة الله تعالى والإسلام ينكرهما ورسول الله منهما براء .. والله تعالى أعلى وأعلم.

أنس فرج محمد فرج

إلى الأعلى