الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ثلاثية متلازمة (4)

ثلاثية متلازمة (4)

مثلاً إذا أردنا دعوة الملاحدة بأن يتخلوا عن عقيدة الإلحاد، ويؤمنوا بالله تعالى، علينا أولاً أن نعرف الأدلة التي قامت عليها عقيدتهم، ثم نقوم بدراستها ونقضها، بعدها نقدم لهم عقيدة التوحيد مع أدلتها العلمية، وهي كثيرة جدًا، فالفطرة والعقل والكون والوحي كلها دالة وشاهدة وناطقة بوجود الله تبارك وتعالى.
فالملاحدة بنوا عقيدتهم على قاعدة كل موجود محسوس، وبما أن الله غير محسوس إذًا هو غير موجود.
والجواب على هذا نقول: عليهم أن يسلموا بأن أرواحهم، وعقولهم، غير موجودة؛ لأنها غير محسوس، فإن قالوا: إن آثارها تدل على وجودها، نقول لهم: إن الله تعالى آثاره دالة على وجوده، إذ كيف يخفى والشمس بعد آياته، أما كيف يُرى والروح بعض أسراره. فكل خلية من خلايا جسم الإنسان دالة على وجود الله تعالى، وشاهدة على ووحدانيته وقدرته.
وهناك أمر آخر هم يزعمون أن الكون لا صانع له بل نشأ صدفة، وفي هذا السياق نقول لهم: عليكم أن تسلموا بأن المصباح الكهربائي الذي نستخدمه في بيوتنا وغيرها من الأماكن لا صانع له، وقد وجد صدفة، وهيهات هيهات أن يسلموا بهذا، بل سيصرون على أن له صانعًا صنعه، ومخترعًا اخترعه. عندئذ نقول لهم: إذا كان هنا المصباح الصغير والمحدود له صانع صنعه، ومخترع اخترعه، ولا يمكن أن يكون قد صنع نفسه، أو حدث صدفة، فكيف بالشمس هذا السراج الذي يضيء الكرة الأرضية بأسرها منذ مليارات السنين بانتظام من غير توقف، ولا انطفاء، ولا يحتاج إلى صيانة لا يكون لها صانع وخالق كما تزعمون؟!.
وهل هناك أحد من البشر أو غيرهم قديمًا وحديثًا من قال إنه صنع الشمس غير الله؟!. قطعًا لا. فالله وحده من قال إنه خلق الشمس كما جاء في الكتب السماوية، ومنها القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى:(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (الأنعام ـ 102)، وقول تعالى:(قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) (الرعد ـ 16)، ولا ريب أن الشمس شيء من الأشياء، وقوله تعالى:(هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا) (يونس ـ 5)، وقوله تعالى:(وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا) (نوح ـ 16).
وهل هناك من اعترض على ما قاله الله تعالى وقدم الدليل بخلافه؟!. قطعًا لا، وبهذا يثبت أن الله تعالى هو خالق الشمس وهو خالق كل شيء.
وكذا هو الحال إذا أردنا دعوة المشركين بأن يتخلوا عن عقيدتهم، ويؤمنوا بالله الواحد الأحد، نقول لهم إن الأصنام والأوثان وسائر الأشياء الأخرى التي تعبد من دون الله كلها أقل من الإنسان، بل هي مسخرة له لينتفع بها لذا فهو يتحكم فيها، وهي لا تبدي أدنى ممانعة فضلا عن مقاومة، فهي لا تحقق لنفسها نفعًا كما لا تدفع عنها ضررًا، فكيف يقبل الإنسان أن يعبدها وهو أعلى وأسمى وأرقى منها؟!.
ومن جهة أخرى فإن المعبود هو من يحدد كيف يعبد، وهو من يبين ثواب من أطاعه، وعقاب من عصاه، فهل هذه المعبودات التي يعبدونها أمرتهم بمثل هذا، أما أنهم عبدوها من تلقاء أنفسهم بحسب أهوائهم؟!.
وأمر ثالث إذا لو تعددت الإلهة لفسدت الأرض، ولذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، فهذا النظام الدقيق العجيب للكون بأسره من الذرة إلى المجرة، يدل على أن له إلهًا واحدًا أحدًا لا شريك له، هو إله متصف بالكمال المطلق، ومنزه عن كل نقص. إله تخضع لجلاله كل الكائنات، وتفتقر إليه كل المخلوقات، وتحتاج إليه كل العوالم، وهو الغني الحميد. بيده كل شيء، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددًا. سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تعتريه ولا ذهول، يقول تعالى الله تعالى:(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) (البقرة ـ 255)، ويقول تعالى:(وما كنا عن الخلق غافلين) (المؤمنون ـ 17).

يوسف بن إبراهيم السرحني

إلى الأعلى